حقائق و مجاملات!

168

خضير الحميري/
الفرق ما بين الإدلاء بالحقيقة وتغليفها بـ (سليفون) المجاملة، كالفرق بين الهمس والزعيق، كلاهما يؤدي الرسالة ويوصلها، الأول بمنتهى الود والثاني بمنتهى الحقد. وقد انقسمت الأمزجة في تبني أحد الأسلوبين أو المزج بينهما على وفق (خلطة) مدروسة تنفتح لها القلوب والجيوب. وإنما المرء الأسلوب.. في التعبير والتوصيل، وفي العلاقات الاجتماعية عموماً.
ومن المشاهد التي لا تنسى في فلم (العقل الجميل)، وهو من إخراج (رون هيوارد -2001) وبطولة (راسل كرو) و(جنيفر كونلي)، وهو الفلم الذي يتناول السيرة الذاتية لعالم الرياضيات الأمريكي (جون فوربس ناش) الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد 1994..
في الفلم والسيرة كان (ناش) عالماً كبيراً، لكنه كان يعاني من مشكلات نفسية كبيرة، كذلك من العزلة بسبب أسلوبه المباشر الصادم في طرح ما يريد، مع إنه كان يطرح الحقيقة بلا تزويق. في النادي أعجبته إحدى الفتيات، فأسرَّ لصديقه بالأمر، فأخبره صديقه بما عليه أن يفعل ليخطب ودها، فنهض واقترب منها وجلس إلى جوارها، واستقبلته بابتسامة ودودة، وبعد لحظات من تبادل الحديث لطمته الفتاة بصفعة مدوية.. فعاد إلى صديقه خائباً محرجاً، إذ خانه الأسلوب ولم تشفع له الحقيقة!
المشكلة أن بعض الناس لا يضبطون مقادير الخلطة، فيبالغون في زيادة أحد المقادير على حساب المقادير الأخرى، فيضيفون مثلا 4 ملاعق مديح وملعقتي (صبغ) وملعقة بهارات وملعقة ونصف (وارنيش) وربع ملعقة حقيقة، فيضيع طعم الحقيقة أثناء خلط المكونات وتقليبها على موقد المجاملة الهادئة!
أو قد تكون المبالغة معكوسة، حين تقدم الحقيقة ساخنة، صادمة، هادمة، بلا مقدمات أو مطيبات فينفضّ عنك الناس، ويهرب منك الجلاس ويتركونك وحيداً، تضرب أخماساً في أسداس!