العيد: فرحة تعمّ الأرجاء وتضيء القلوب بالمسرّات

527

إيفان حكمت ــ آية منصور ــ آمنة السلامي ــ ذو الفقار يوسف /

يأتي العيد هذه المرة بينما تسعى الحكومة الى تحقيق مطالب المحتجين، الغاضبين من سوء الخدمات، فيما تتواصل المباحثات لتشكيل حكومة تلبي مطالب الشعب وتعمل على اسعاده.

لكن الأعياد في العراق لها رونق آخر، وتقديساً لما وضعته السماء أمامهم من مضامين إنسانية، يسعى الناس الى صناعة الفرحة على الرغم من كل الصعوبات التي يواجهونها، بينما ينهي نحو سبعة وثلاثين ألف حاج عراقي أداء مناسك الحج قبل الوقوف على جبل عرفات، مبتهلين الى الله ان يكون العراق سالماً منعماً وقد تحقتت كل تطلعات شعبه بالتقدم والازدهار والرفاه.

عيد العطاء

للعطاء هيبته ومميزاته في أربعة أيام من كل عام، فالزكاة التي هي منبع للأخوة وحبّ الآخرين ومساعدة الفقراء، أضحت في هذه الأيام مضيئة، ومخاصمة لكل مظاهر الكره والتباعد بين ابناء الشعب، فقد تتنوع من نحر الأضاحي وتوزيعها بين الفقراء والمحتاجين، ما يجعل هذا العطاء موروثاً عراقياً مستمراً، منذ الزمن الأول، ليستديم الحب والأخوة والإحساس بالآخر، فأصبحت الصدقات في هذه الأيام كياقوتة حمراء لم يمسسها بشر.

ثوبٌ ووردة وردية

أغاني الحب والطمأنينة في صدر أكثر انشراحاً لسماعها هذه الأيام، حيث تتلاقفها المسامع وتعرفها كمعرفتها للروح والقلب، إنها أغاني العيد، “اجانه العيد وابني يريد عيدية” و”الليلة عيد – وعالدنيا سعيد”، وغيرها من معزوفات الشوق الكبير للفرح، نسمعها فترتسم على محيّانا ابتسامة رقيقة وحارّة، حيث تتورد الوجنات اكثر من أي يوم آخر، كحبيبة قد حضرتها ذكرى سعيدة لحبيبها، او كطفلة قد وجدت للعيد ثوباً وردي اللون وقد ترصّع بأنواع الزهور الطاهرة. إن هذه الأغاني المعدودة لها الكمّ الأكبر والعجيب في ذكرياتنا، كحلم قد توهج توهجاً خفيفاً لم ولن يضمحل، هي ذكرى سعيدة، ومن منا يحسب المسرّات في هذه الأيام المجيدة، بل كنا نخوض في بحر السعادة فيها من دون حسبان، نسمعها ونحن نعرف بأن لنهايتها سعادة كبدايتها، ونعيدها لنعيد للسماء رونقها الأول، وللغيوم الخفيفة حافاتها الذهبية، وللشمس اشراقاتها المتفاوتة، كمن يسير مع الملائكة جنباً الى جنب، ويقتل الظلام والبؤس بحوافر خيل السعادة في هذه الأيام المتلألئة والسعيدة، انه العيد في عين طفل قد جعلت الأحلام والأمنيات هذه الأيام فريدة ومحدودة، واستغلاله لها ماهو إلا استغلال العين للنظر، والقلب للدقّات، والشفاه للقبلات، فقد لا نعيش أجواء هذه الأيام لمدة سنة كاملة، ونرتبط بها ارتباطا وطيداً عسى أن نستحصل ماحددناه من سعادة وفرح ومسرات.

الحج والعيد والأضاحي..

تزدهر الأسواق بزحام الناس وتتلون السماء بألوان طيف ثياب الأطفال، يقفزون فرحاً هنا وهناك مع اهلهم يهرعون لاقتناء ملابس جديدة لصبيحة العيد، في الأسبوع الذي يسبق أول أيام عيد الأضحى يقبل الناس على شراء الملابس ومستلزمات العيد من حلويات و(مواد الكليجة) وقوالبها المتعددة الاشكال و(حشوتها) المليئة بقصص وحكايات عن الماضي والحاضر وعن (طيبة أهلنا) والأمهات والجدّات وضحكات النساء ورواياتهن.

العيد الكبير

يوم النحر، والعيد الكبير، وعيد الحجاج، وأسماء أخرى يطلقها المسلمون على عيد الأضحى الذي يأتي كل عام في العاشر من شهر ذي الحجة، حيث يشهد هذا اليوم أيضا نحر الأضاحي من الأنعام حسب مقدرة الحاج وتوزع لحومها على الفقراء والمعوزين ، فيما توازيها في البلدان الإسلامية ظاهرة نحر الأضاحي ترحماً على أرواح الموتى خصوصا في عام رحيلهم الأول.

رؤية إبراهيم

تعود تسمية الأضحى الى قصة النبي ابراهيم (عليه السلام) الذي رأى في منامه أنّه يذبح ابنه اسماعيل عليه السلام، وبما أنّ رؤيا الأنبياء حقٌّ، امتثل إبراهيم (ع) إلى أمر الله تعالى وذهب الى ابنه وعرض عليه الرؤيا فقال له إسماعيل (ع) : “يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين”، وعندما جاء ليمتثل إلى أمر الله، وأراد أن يذبح ابنه، جاءه الفرج من عند الله، بنزول الملك جبريل بكبش فداء لإسماعيل (ع) ، قال تعالى: “وفديناه بذبح عظيم”، فجاء منسك ذبح الأضحية الّذي أصبح سنّة للمسلمين كافّة.

طقوس..طقوس

لا تقتصر طقوس عيد الأضحى على أيام أداء مناسك الحج، بل تستمر الى ما بعدها، حيث تزدحم الأسواق بالمتبضعين تمهيداً للاحتفال بالعيد، وتشهد السلع كالملابس والخضر واللحوم ارتفاعاً ملحوظاً بالأسعار، ومن ثم تبدأ أيام العيد الأربعة بما يرافقها من مظاهر الفرح، خصوصاً عند الأطفال الذين يحظون بملابس جديدة وارتياد أماكن اللهو المخصصة لهم بعد حصولهم على “العيدية”، كما أن أيام العيد مناسبة لتصفير المشكلات الاجتماعية بين الأهل والأصحاب، لأنها أيام “مفترجة” كما يصفها المسلمون، وفور وصول الحجيج الى ديارهم قادمين من الدار المقدسة، تبدأ زيارات التهنئة وتبادل الهدايا بينهم وبين معارفهم من الأهل والأصدقاء والجيران.

أفواهٌ ولحوم

قدّرت هيئة الإحصاء في السعودية عديد حجاج بيت الله الحرام لهذا العام بنحو مليونين ونصف المليون حاج، وهو أكثر بقليل من عديد الحجاج للسنوات القليلة الماضية، ما يعني نحر مليونين ونصف المليون أضحية. ويقدر متخصصون وزن اللحوم الناتج عن نحر تلك الاضاحي، بأكثر من عشرة ملايين طن من مختلف اللحوم، ويرون أن كميات كبيرة من تلك اللحوم تتعرض للتلف نتيجة زيادتها الى أضعاف عن الكمية القابلة للاستهلاك، ما يعني طمرها دون الاستفادة منها. وتتكرر سنوياً، وبموازاة موسم الحج، المطالبات من منظمات إسلامية ومنظمات مجتمع مدني بانشاء معامل تعبئة لحوم متطورة توظف الفائض من هذه الكميات الكبيرة من اللحوم للتعبئة ومن ثم إرسالها الى المناطق الأكثر فقراً، خصوصاً في قارة أفريقيا، لتعمّ منها الفائدة البشرية بدلاً من طمرها، وفي هذه الحالة فإنها ستحقق الهدف المرجو من نحرها من الناحيتين الإنسانية والشرعية معا. لكن اللافت أن هذه الأصوات تخفت بمجرد انتهاء موسم الحج لتعود مجددا لترتفع مع بدء طقوس موسم الحج الجديد.

مستغلون

فيما تنتظر العوائل فرحة العيد لإسعاد صغارهم، يباشر الكثير من اصحاب المتنزهات ومدن الألعاب الصغيرة، برفع الأسعار الى الضعف، ما يسهم في حرمان العديد من الأطفال من متعة اللعب خصوصاً ذوي الدخل المحدود .

يؤكد سليم الساعدي (37 عاماً)، الذي يعمل سائق سيارة أجرة، توقفه عن العمل ايام العيد من اجل الاحتفال بتلك الطقوس “المقدسة”، حسب قوله، و لا يمر عيد دون زيارة الأجداد والجلوس بقربهم، أما العيد بالنسبة لصغاره فيعني مدينة الملاهي حيث تكون الصدمات!

-اشعر بالصدمة حينما يخبرني العامل أن أجرة الأرجوحة او دولاب الهواء قد ارتفع الى الضعف، ولا طريق آخر، لربّ الأسرة الضعيف، سوى ان يرضخ لجشعهم وهو يشاهد حماس الصغار واندفاعهم للذهاب الى مقاعدهم في اللعبة.

ويرى ان على الحكومة وضع تسعيرة ثابتة في جميع المدن والمحافظات، من اجل تحاشي إرهاق العوائل الفقيرة والتي تحلم كغيرها بترفيه اطفالها واسعادهم.

-في مدينة الزوراء مثلاً ، سيكون سعر اللعبة الواحدة 10 آلاف دينار بعد ان كانت 5 آلاف، تخيل لو أن لديك 3 أطفال، ها أنت قد صرفت 30 ألفاً على لعبة واحدة، والأطفال بطبيعتهم يميلون لتجربة كل شيء، وهنا تبدو حتى المتنزهات ومدن الملاهي خاصة بالمترفين!.
لا عيد للفقير
مع استمرار حديثنا عن ارتفاع الأسعار، سننتقل الى غلاء الملابس، تلك القفزة الهائلة التي حدثت بين ليلة وضحاها لترفع اسعار الملابس وتجعل المواطن في حيرة من أمره وهو يراقب حجم أمواله المحدودة وغير الكافية أمام حجم كل هذه المصاريف.

سلوى الولي، ربة منزل وأم لأربعة أولاد، تبدأ أوامرهم قبل العيد بأسبوع ولا عزاء لوالدهم! تقول ذلك وتضحك فيما تكمل:

-حينما يأتي والدهم الى المنزل يجمعوننا، ثم يسحبون جيوب والدهم للتأكد من وجود المال لتبدأ طلباتهم حول نوعية الثياب التي يودونها، اشعر بالسعادة والألم في الوقت ذاته، كأن هنالك غصّة محبّبة، ارى زوجي وهو يعمل الكثير الكثير ليسد حاجتنا جميعا ولا يسعني إلا أن أفكر كذلك بتلك العوائل التي تفتقر الى المال.

تكمل الولي متحدثة عن كيفية خروجهم من المنزل بعد المغرب لافتتاح أغلب محال الملابس في ذلك الوقت، فيسحب احدهم يدها وآخر يسحب يد والده لتجربة الملابس المتعددة:

-في الأيام العادية أجد القميص بمبلغ معين، قبل العيد يتحول سعر القميص نفسه لسعر خيالي، نبقى متنقلين من محل لآخر وأنا أرى الأسعار وأصدم، لكني بالطبع لا استطيع ان أحرم أطفالي من شيء، بعدها نعود محملين بأكياس الثياب، ولا قطعة واحدة لي، او لوالدهم، تكمل ضحكتها.

من جهة اخرى، تعاني عائلة محمد، بائع المياه في الشوارع والأزقة، من تلك الأجواء، بغصّة حين يخبرني ان شراء الثياب لصغيريه، سيكلفه وقتاً طويلاً من الجوع:

-لأكن صادقاً و واضحاً، تشتري زوجتي الثياب البسيطة لهما قبل العيد بشهرين او أكثر، وتخفيها لتخرجها لهما عند العيد، احيانا تكون الثياب ضيقة، واحيانا لا يحب طفلاي نوعية الثياب، لكن هذا الموجود.

حجج واهية

يقول احد التجار : حقيقة انا استغرب من العوائل العراقية حين تشكو ارتفاع اسعار الملابس وان اصحاب المحال التجارية يستغلون المواطن في هذه المناسبات لاسيما وأنا أشاهد الأسر العراقية تشتري اشياء غير ضرورية ومضرة للأطفال مثل الألعاب العنيفة كالرشاشات والمسدسات في العيد وتكون نتيجتها اصابة العديد من الصغار والكبار ودخولهم المستشفيات، فلماذ هذا الإسراف اذا كانت العائلة عاجزة عن الإنفاق فلا يجوز ان نبرر الخطأ بأخطاء اخرى، فهذه القضية تشترك فيها عدة أسباب منها اهمال اصحاب القرار ومنها التاجر ومنها تخلي الأهل عن مسؤولياتهم.

ويبقى ارتفاع الأسعار عاملاً مؤثراً على العديد من الأطفال والنساء.

أُسر تعاني الحرمان

ازهار كامل، زوجة وأم لطفلين، تقول انها لم تشتر ملابس العيد لنفسها منذ اكثر من عشر سنوات وذلك لارتفاع اسعارها، و”كل مرة أفضل أطفالي عليّ وحقيقة تبقى في نفسي خصوصاً وأنا أرى الكثير من المتزوجات وهن فرحات بملابس العيد والخروج الى المتنزهات، فلو كانت هناك قناعة لاستطاع الجميع شراء كل ما يريدون ويتمتعون بفرحة العيد.”

أخلاق التاجر

تقول الباحثة الاجتماعية زهرة الساعدي: العيد فرحة من حق الجميع الاحتفال بها وضمن الحد المعقول، لأن الرفاهية أمر ضرورى جداً فى حياة الشعوب، باعتبارها ترفع درجات السعادة والتفاؤل، وتقلل الغضب والضغوط والتوتر، فهناك عوائل بات همّها الوحيد هو توفير لقمة العيش، لذا يجب ان تكون هناك مراعاة لهم، لأن أعباء الحياة وضغوطاتها وتراجع القدرات الاقتصادية للمواطنين أمام مجابهة ظروف المعيشة تولد إحباطاً شديداً ويأساً ناجماً من العجز عن ممارسة أشياء كانت طبيعية فى وقت سابق، خاصة إذا كانت هذه الأشياء تتعلق بأطفالهم، لذلك يجب ان تكون هناك نظرة رحمة من قبل الجميع من أجل اسعاد هذه العوائل وليس منعهم وحرمانهم من افراحهم وبالأخص فرحة العيد. فيما مضى كان تاجرنا أحياناً يخسر مبالغ كبيرة لأجل كلمة يلتزم بها، نتمنى اليوم على التاجر ان ينظر الى الأطفال الذين ينتظرون فرحة العيد بعين الرحمة، اقول: لاتحرموهم لأنها كبيرة عند الله .