حاصره عذاب الضمير فأنهى حياته في السجن شنقا!

358

د.معتز محيي عبد الحميد/

لم ينتظر حكم المحكمة التي ادانته بقتل عشرات الأشخاص منذ أربعة أشهر بعد أن زرع عبوة ناسفة راح ضحيتها عشرات الأبرياء قتلى ومئات الضحايا جرحى ومعاقين، إذ كان يعرف جيدا أي مصير ينتظره مثلما يعرف كل المحيطين به والمحققين الذين حققوا معه وادانوه جريمته البشعة.
وقرر أن يسدل الستار على حياته وينفذ حكم الأعدام بحق نفسه.. لقد انهى حياته في لحظة واحدة وعاقبها على ما اقترفت من ذنب بعد أن ازهق أرواح عشرات الأبرياء بلا شفقه!
وبعد أن مات ضميره وقلبه وزين له من خدعوه قتلهم.. دخل المتهم المغاسل في موقف تسفيرات الرصافة وشاغل زملاءه المساجين وشنق نفسه بشماغ كان يلفه حول رقبته وعلق نفسه بفتحة في باب دورة المياه.. وبعد ربع ساعة عثر عليه زملاؤه جثة هامدة معلقة ليضع بنفسه نهاية مأساوية لحياته التي قضاها مع الارهابيين وفلول القاعدة!.. أيام كثيرة عاشها داخل جدران التوقيف قبل محاكمته.. لا يعرف عددها تجرع خلالها المر ورآه في عيون من حوله، نظرات اللوم والعتاب.. فالجريمة البشعة التي ارتكبها كانت حديث الناس والصحافة والأجهزة الأمنية في منطقة الكاظمية.. ولم يغفر له المجتمع جريمته لان الأبرياء لاسيما الأطفال الذين ماتوا، لم تزل صورهم عالقة في عيون الناس وذويهم.
كانت أيامه داخل السجن منذ أن اصدرت المحكمة المختصة قرارا بحبسه تشبه بعضها البعض، خاصة بعد أن فرض عليه السجناء معه عزلة تامة عندما عرفوا بجريمته.. فوجد نفسه بمفرده يواجه ظلمات السجن من دون أنيس.
حوارات عديدة كانت تدور بداخله حاول كثيرا أن يهرب منها ويتجنبها لكنها أبدا لم تفارقه!.
واصرت على ملازمته طوال اليوم.. وبدأت أيامه بحوار مع نفسه.. هذا الحوار كان يقرأه في عيون كل من يراه حتى في عيون حراس الموقف.. وتطور الحوار إلى عذاب يومي لا يصحو منه.. هذا الحوار هو استعراض لخطوات الجريمة البشعة التي ارتكبها في حق الناس الأبرياء ومن أجل بضعة دولارات، شريط الجريمة كان دائما أمام اعين (أ) داخل السجن لم يختف لحظة وبالرغم من انه اعترف بسهولة بجريمته عندما عرضت صورته وهو يضع العبوة وصديقه ينتظره خارج سياج الكراج الخلفي. إلا أنه كان لديه أمل بسيط أن يفرج عنه قاضي التحقيق عندما تؤثر عليه عشيرته وتهدده بالموت إذا حكم عليه بالاعدام.. وكلما اقترب موعد جلسة المحاكمة اقترب الأمل الذي سرعان ما يعود الى الاختفاء مع قرار تجديد حبسه على ذمه التحقيق.. وتأكد من آخر جلسة تحقيقية مع قاضي الجرائم الارهابية بأنه لن ينجو من العقوبة بعد أن ادانه القاضي بالصوت والصورة والشهود الذين شاهدوه وهو يزرع العبوة!.. تأكد بعد رجوعه الى الموقف انه لن يعود للحياة من جديد وتأكد أن أحلامه في الزواج من فتاة أحلامه قد ضاعت للأبد! ظلت صورة مسيره وهو بصحبة صديقه أثناء زرعه للعبوة في الكراج عالقة في ذهنه.. لم يستطع محوها من الذاكرة.. فتذكر انه لم يكن يحمل معه أية نقود لأنه كان يعاني من أزمة مالية حادة.. فقام صديقه باخراج ورقة الـ 50 دولارا واعطاها له.. ظن أن هذه الورقة سوف تحقق كل مشاريعه مع خطيبته.. ولكن بعد أيام بعد أن اشترى لها الحلقة الفضية وقدمها لها القت الشرطة القبض عليه وهو مع خطيبته.. أكثر ما عذبه داخل سجنه نظراتها له وهي غير مصدقة بأن خطيبها فعل هذه الجريمة، ساعتها نظرت إليه نظرة حسرة وندم وبدأت تبكي.. هذه النظرة لم تجعل عينيه تغمض لحظة واحدة داخل التوقيف.. واستطرد (أ) من خلال اعترافه أمام المحقق بأدق تفاصيل الجريمة البشعة وسيناريو القصة.. وتساءل مع المحقق بعد أن صحا من غفوته كيف قام بتلك الخطوات؟ لابد أن صديقه قد أستلب عقله منه بأفكاره الدموية.. لحظات كثيرة مرت عليه وسيطرت على أفكاره داخل القاعة جعلته يهوى من نفسه، فلم يعد يستطيع أن يتمالك نفسه ولم يعد قادرا على التفكير! وايقن أيضا أنه لا فائدة للحياة بين أربعة جدران باردة طالما أن الموت آت لا محالة فيه! وقرر أن يكون اليوم هو اليوم الأخير في حياته وفور عودته من المحكمة بسيارة الشرطة زج به الحراس داخل بوابة السجن واغلقوا الأبواب من الخارج.. جلس بمفرده داخل الزنزانة ولم يتناول أي طعام أو شراب.. وحمل بيده شماغا كان يلفه حول عنقه من البرد وبيده الأخرى منشفة ودخل دورة المياه وأوهم رفاقه بان يستحم.. وداخل دورة المياه ربط الشماغ بعد أن لفه على شكل حبل مستقيم وثبته بقفل الباب العلوي.. ولف نهايته حول عنقه واستسلم للموت وقام بخنق نفسه! بعد فترة قصيرة عثروا على جثته وهو مشنوق واخبروا إدارة السجن التي قامت بفتح تحقيق عن أسباب الوفاة وكيف ادخل الشماغ معه الى داخل السجن ليكون أداة للجريمة.