الانطوائية.. هل هي حالة مرضية ؟

أنسام الشالجي /

يعتقد غالبية الآباء والأمهات أن الطفل الانطوائي يعاني من مرض نفسي ما، ولابد من معالجته.. بينما هو طفل سوي يحتاج فقط إلى من يعرف كيفية التعامل معه..
التوحد
جاءتني منى عبد الواحد، وهي سيدة في العقد الرابع من عمرها، ٤١ سنة، كوني مدربة طاقة وحياة وهي مرتبكة جداً، فقد قرأت على الإنترنت موضوعاً طبياً عن العلامات التي تشير إلى أن ابنها يعاني حالة من حالات التوحد! وبدأت تراقب تصرفات ابنها الذي يبلغ العاشرة من عمره وأصبحت يوماً بعد آخر تقنع نفسها بأنه يعاني فعلاً من التوحد..
الطبيب الطيب
لأخفف عنها خشيتها، قلت مازحة إن الممثل العبقري أنطوني هوبكنز يعاني إحدى حالات التوحد منذ طفولته، وهناك شخصيات مشهورة مثله تعاني التوحد.. وفاجأتني بأنها تتابع المسلسل الأميركي (الطبيب الطيب)، الذي يتحدث عن طبيب شاب متميز في عمله لكنه مصاب بالتوحد لتتعلم منه كيفية التعامل مع ابنها الذي قررت أنه مصاب بالتوحد..
خلوق ومتفوق
بعد أن هدأت قليلاً، سألتها عما لاحظته من تصرفات ابنها، قالت “إنه الآن في الصف الرابع الابتدائي، لكن ليس عنده صديق، وفي مجلس الأمهات نبهتني مديرة مدرسته أنه غير اجتماعي، ويقضي فترات الفرصة في الصف ولا ينزل إلى الساحة إلا في الاصطفاف الصباحي..” واكتشفت منى أن ابنها منذ أن كان في الروضة لم يحدثها عن صديق او صديقة.. ولاحظت أنه حتى في البيت قلما يجلس معها أو مع والده، لكنه قريب جداً من شقيقه الذي يكبره بسنتين، وأنه منشغل مع (الآيباد) دائماً ويرفض زيارة الأقرباء أو الذهاب إلى السوق، لكنهم يرغمونه على الخروج معهم فيوافق وهو يبكي.. وإن تحدث إليها أو إلى والده فإن حديثه يختلف عن أحاديث الأطفال الذين هم في عمره، ويسأل اسئلة قلّما تخطر على بال طفل مثل: من خلقنا ولماذا نموت وماذا بعد الموت!
سألتها عن سلوكه في المدرسة ودرجاته في الدروس؟ قالت إن إدارة مدرسته ومعلماته يمتدحون سلوكه، فهو -رغم ابتعاده عن الآخرين- إلا أنه يبادر إلى مساعدة زميل في صفه، مثلاً، نسي قلمه أو كتابه في البيت، وأنه ليس عدوانياً، ومبتسم الوجه دائماً، لكنه (يصفن) أثناء الدرس أحياناً ودرجاته دائماً عشرة من عشرة، ودائماً هو الأول على صفه ومعروف في المدرسة بذكائه وأسئلته التي تظهره أكبر من عمره.
ليس مريضاً
“اذن ابنك انطوائي لكنه ليس مصاباً بالتوحد”، قلت لها.. سألتني إن كان بحاجة إلى طبيب نفسي.. وأجبت بالنفي، فالانطوائي نقيض الاجتماعي وليس حالة مرضية، وشرحت لها -من خلال إشاراتها إلى تصرفاته- أنه طفل طبيعي لكن له عالمه الخاص الذي يعيش فيه بخياله، وغالباً فإن الشخص الانطوائي -حتى لو كان طفلاً- لا يتحمل سوى أشخاص معدودين يقترب منهم، وهو مكتفٍ بعلاقته مع شقيقه الأكبر، ولو لمدة قصيرة معها ومع والده..
اعتقاد خاطئ
يعتقد الكثيرون أن الانطوائي إنما أصبح انطوائياً لعدم ثقته بنفسه ولشعوره الدائم بالخجل من الآخرين، وهذا اعتقاد خاطئ تماماً، والتعامل مع الطفل الانطوائي على أساس ذلك يعني الدفع به -أي بالطفل- إلى الفشل في دراسته، وربما حياته المقبلة كرجل، لأن هذا الاعتقاد يدفعه فعلاً إلى الشك بنفسه وبقدراته فيبدأ يفقد الثقة بنفسه يوماً بعد آخر..
مزايا
يتميز الطفل الانطوائي بعالمه الخاص -كما أسلفنا- وفي مدرسته يتجنب اللعب مع أقرانه ويفضل البقاء بالصف في دروس الفراغ أو أوقات الفرصة، وينصرف إلى نشاطات لا تتطلب صديقاً، مثلاً الرسم أو القراءة، وأضيفت إليهما في الوقت الحاضر الأجهزة الذكية والألعاب الإلكترونية. والطفل الانطوائي ينظر إلى الحياة بصورة أعمق فيقرأ اكثر من أقرانه و(يبحر) مثيراً في مواقع الإنترنت، ويفاجئ إدارة مدرسته، مثلاً، بأسئلة قد لا تجد المعلمة جواباً لها.. ويفاجئ والده، الذي يشجع فريق ناد كبير لكرة القدم، بأنه يعرف أسماء اللاعبين والمدرب وعدد مشاركات الفريق في الدوري وانتصاراته وخساراته. وأهم صفة يتميز بها الطفل الانطوائي تبدو بفنه، فهو يعرف كيف يقرر أن هذه الصفة ستفيده في شبابه وانخراطه في العمل، إذ سيكون قيادياً وناجحاً..
كيفية التعامل؟
يجب أن يكون التعامل مع الطفل الانطوائي بحذر، ولنسترجع ما قالته منى عن حالة ابنها الذي يبدأ بالبكاء حين إرغامه على الخروج معهم.. إن الضغط على الطفل الانطوائي -ليكون اجتماعياً- سيدفعه إلى العزلة تماماً، التي قد تصيبه بالكآبة خلال سنوات معدودة. دعي طفلك الانطوائي ليكتشف العلاقات مع الآخرين بنفسه، وقد يختار من بينهم صديقاً أو اثنين.. ويحب على الأبوين الابتعاد تماماً عن إجبار الطفل الانطوائي على فعل شيء لا يرغب فيه. ولتحسين سلوكياته الاجتماعية، يستحسن أن يشعره الوالدان بالأمان ليحدثهم بكل ما يدور في ذهنه..