التراجيديا الإنسانية في (لزوم ما يلزم) لنجيب سرور

د.جيهان الشندويلي /

يعدّ نجيب سرور (1932 – 1978) أهم شاعر مصري معارض، اقتحم عالم المسرح ممثلاً ومخرجاً، لديه ذائقة نقدية متميزة، كما أنه ممثل وكاتب موهوب لا يشق له غبار، دخل السجن مرات عدة واتهم بالجنون وانتهى به الحال في مشفى للأمراض العقلية، وهو صاحب أجرأ القصائد الممنوعة من النشر.
في ثلاثينيات القرن الماضي ولد محمد نجيب محمد سرور في قرية (إخطاب) مركز (أجا)، محافظة الدقهلية 1932؛ لعائلة بسيطة تعمل بالزراعة. عاش نجيب في بيئة فقيرة قاسية كانت ملهمة له في بدء مشواره الفني، رفض الاستغلال والإقطاع منذ نعومة أظافره، وكانت للأرض قيمة فريدة عنده ككل المصريين في كل زمان، وكان طموح والده أن يشب هذا الفتى أديباً شاعراً فبث فيه من صنوف الثقافة الكثير، وشغف الفتى بهذه الفنون كافة.
يمزج نجيب سرور في أعماله بين الشكل الرومانتيكي والشكل الملحمي. وفي غربته كانت عاطفته الوطنية جياشه، ومن أعماله المتميزة: الحكم قبل المداولة، وأوبريت ملك الشحاتين، والذباب الأزرق، ومنين أجيب ناس، وياسين وبهية، ولزوم ما يلزم، الذي نحن بصدد قراءته.
أول ما نلاحظه في ديوان (لزوم ما يلزم) تماهيه مع أبي العلاء المعري، في كتابه (لزوم ما لا يلزم) أو ما يسمى بـ (اللزوميات)، وهو فنٌّ في الشعر وفي السجع، يلتزم فيه الشاعر أو الساجع قبل الحرف الأخير من أبيات قصيدته، أو سجعاته، ما لا يلزمه، كأن يكون الحرفان الأخيران متماثلين في كلّ القوافي.
عتبات الديوان وأول ما يلفت القارئ هو العنوان الذي يوحي بتحدٍّ صريح، جعله يختار اسماً معروفاً عند اللغويين والشعراء ليصطنع منه اسماً جديداً في أشد أنواع التحدي تفرداً، فاسم الديوان (لزوم ما يلزم) فيه إصرار على التمرد، وقلب موازين الأعراف والتقاليد، هذا فضلاً عن الصور الشعرية الساخرة القاتمة التي تغمر الديوان كله بدلالاتها.
جدير بالذكر أن الشاعر استخدم في العنوان المصدر (لزوم) ولجأ إلى مصدر متحرر من أداة التعريف لأنه يريد أن ينطلق إلى عوالم غير محدودة بزمان، فجعل السلطة في شعره للمعاني، والكلمات غير المحددة بزمن، يحرر ألفاظه من كل قيد، يطلق العنان لكلماته ليحلق بالمعاني إلى أبعد حد حيث لا توجد قيود.
فيقول :
من أين أبدأ والظلام،
يلتفُّ في أقصى الوراء وفي الأمام!
عرجاء حتى الذاكرة..
والذكريات!
يا سيداتي معذرة..
أنا لا أجيد القول، قد أُنْسِيتُ في المنفى الكلام،
وعرفتُ سرَّ الصمت..
كم ماتت على شفتيَّ في المنفى الحروف!
الصمت ليس هنيهةً قبل الكلام،
الصمت حرف لا يُخَط ولا يقال..
الصمت يعني الصمت..
هل يعني الجحيم سوى الجحيم؟!
يبدو الشاعر محبطاً، يرى حياته مظلمة، بل شبّه نفسه بالظلام فهو يتلفت خلفه وأمامه، ثمة شجن عميق يدب في وجدانه ويحيله إلى كائن مظلم يتحسس في عماه ما آل إليه حاله المتخبط ما بين صرخاته الدفينة وصمته الصارخ، لكنه كان جريئاً على الرغم من قسوة الذين واجههم.
ديوان (لزوم ما يلزم) يتوفر على قدرة فائقة ومهارة نادرة، وشحنة صدق جعلته يستمد من التراث كثيرا، فهو أدب لا يرتدي الشكل التقليدي، وقصائده بمثابة حوار درامي بين الذات والذات؛ يصوغ فيها هواجسه ومعاناته، ويستعين على حاضره المتأزم بحوارات مع أبي العلاء المعري، ودانتي وبايرون ودون كيخوته الذي يستعير منه شخصيته الاجتماعية.
إن الذي يتفاعل مع نجيب سرور يشعر أنه فنان يهوى ما يكتب، لم يتخذ الفن مهنة بل رسالة، لكن الرجل العظيم عندما يصيبه جرح ما- لأي سبب- فإن ألمه يكون على قدر عظمته ويمكن أن يكون سقوطه، أيضاً، سقوطاً مدوياً، والتيمة التي نسبت إلى صلاح عبد الصبور كانت موجودة عند نجيب سرور أيضاً، فقد أخذ من طين الأرض وصنع أدباً.
أودع سرور مستشفى الأمراض العقلية مرات عدة، ولم يكن مجنوناً، لكنه كان يعارض ولا يأبه لأحد ولا يجيد تغليف معارضته بشيء من الكياسة ولم تستطع السلطة آنذاك احتواء أفكاره الحادة فاصطدم مع الجميع لافتقاده أدنى تقنيات تجميل وجهة نظره الحادة أو إخفائها.
كتب سرور في لزومياته نصاً أشبه بالموال الشعبي:
الأوِّله: يا ليل يا منفاي
وَيلاه حِينَ يُطبِقُ الظّلاَم
كالنَّعشِ.. كل كائنٍ يَنام
يا ليل ــ كل كائنٍ سِواي
استخدم الموال لارتباطه بالريف والحياة الشعبية، وهو وسيلة لشرح ما يشعر به الفرد وللتعبير عن الحالة النفسية، وشرح آلام النفي والفراق، واستخدم الشاعر كلمات (الليل، المنفى، الويل، الظلام، النعش)، وكلها تحيل إلى الموت والفقدان.
في نفسه تعتمل الغربة والمنفى، وفي هذا دلالة على اقترانهما وتساوي دلالتيهما، فالمنفى يساوي الليل بظلمته، وقد استخدم ياءً نسب بها المنفى لنفسه وكأنه جزء منه، كذلك شبَّه الليل بالنعش، وهي صورة قاتمة توحي بالموت، وهو داخل هذه الظلمة المميتة مستيقظ، ومن هنا نضع أيدينا على حالة الشاعر في منفاه، وكأنه ينتزع الدلالة الأكثر شقاء وحزناً وقتامة، كل هذا يتجلى في صوره المأزومة كما في نصه (حوار مع ناظم حكمت):
إن في عينَيك حُزنًا يا نَجيب
بل ليسَ هذا الحُزنُ عني بالغريب
لأكادُ ألمسُ باعَه
حزنُ المنافي.. هكذا يبدو تماماً في العيون
يبدو النص حواراً مع الشاعر ناظم حكمت، لكنه مونولوج داخلي يناجي فيه الشاعر نفسه ويبدأ بأداة التوكيد (إن) ليؤكد عمق الجرح الغائر، ويسأل عن الحزن الذي يراه في عينيه؛ فيرد بأن الحزن ليس غريباً عنه فقد أصبح ثيمة حياته.
وفي محاورته مع دانتي، صاحب الكوميديا الإلهية، يُفصح عن حالته النفسية السيئة، حين كان منفياً لا يستطيع العودة إلى مصر، ولا حتى إلى روسيا؛ حيث زوجته وابنه، كتب نجيب سرور في (بودابست/ المنفى) يقول:
أتدري ما الجحيم؟!
– ها نحن فيه من الصباح!
– لا.. ليسَ هذا.. فالجَحِيم،
هو أن تَعيشَ بلا وَطَن،
وتموتَ في المنفى،
وتُدفنَ في تراب الآخرين.
يخاف الشاعر من فكرة الموت بعيداً عن وطنه وأهله وحيداً شريداً، فالجحيم ليس الجحيم الإلهي فحسب لكن جحيم الدنيا هو المنفى، البعد عن الوطن الأم.
كما كتب قصيدته الشهيرة التي خُطتْ على قبره:
قد آن يا كيخوت للقلب الجريح
أن يستريح
فاحفر هنا قبراً ونم
وانقش على الصخر الأصم
” يا نابشاً قبري حنانك، ها هنا قلبٌ ينام،
لا فرق من عامٍ ينامُ وألف عام،
هذي العظام حصاد أيامي فرفقاً بالعظام.