السرد بمفهومه التشكيلي استثمار أم متعة بصرية؟

زياد جسام /

لا ينفصل الفن التشكيلي عن السرد الروائي أو القصصي بكل أجناسه التعبيرية المختلفة، فالفنان التشكيلي سواء أكان نحاتاً أم رساماً يشكل مفرداته بسرد بصري جمالي، وأحياناً يكون مقتبساً من رواية معينة لتكوين علاقة جديدة قد تكتسب حضوراً بين السرد الذي يعتمد على اللغة والفن الذي يشكلها عنصراً جمالياً. الكلمات تولّد الصــور وتكشــف عن تفاصيلها، كما أن للكلام أو السرد القدرة على محاكاة أصوات الطبيعة، وفي نفس الوقت فإن للعمل التشكيلي القدرة على تصوير الحركة وهذا يعود إلــى خيــال المبدعين وقدرتهم على توظيف الخيال في صناعة ما ينتجون.
تأثير متبادل
التأثيرات الإيجابية المتبادلة بين السرد والتشكيل أحياناً تسهم في رفع المستوى الجمالي ومستوى التلقي لدى المتفاعلين مع أي من المجالين، ومن هذه الفكرة ندرك أن لكل إبداع “متناً”، والمتن بالنسبة للسرد، سواء أكان نصاً قصصياً أم روائياً أو غيره، بني باللغة التي مادتها الأساسية الكلمات، ليعبر عن أحداث وشخصيات وتفاصيل أخرى. أما المتن الثاني التشكيلي، سواء أكان لوحة أم عملاً نحتياً أو تركيباً، فهو متن بصري، تغير عبر التاريخ وتطور في تركيباته وبنائيته. أحياناً يبدو غير مباشر ومستعصياً على الفهم، لكنه سرعان ما ينطبع في ذاكرة من يشاهده ويساعده ليدله على عوالمه ويكشف أسراره.
كلا المتنين له قراءات متعددة، وفي تاريخ النقد الأدبي مقاربات مدونة تؤكد وجود الصورة التشكيلية في الأعمال السردية، فقد أنتجت على مر العصور أعمال تشكيلية نحتية كانت أم مرسومة بالألوان، وهي عبارة عن رواية أو قصة ما، أعاد الفنان إنتاجها بصرياً وبدت للجمهور وكأنها أقرب من السرد المكتوب، ونالت استحساناً وأصداء واسعة على المستوى الشعبي، بل وحتى النخبوي، لكونها أنتجت بطريقة جمعت السرد مع التقنية والشكل وتحولت من متخيل إلى شيء ملموس.
سردٌ ملموس
والأمثلة على ذلك كثيرة وموجودة على مر العصور، فهناك كثير من الأعمال الفنية المحلية التي أنتجها فنانون عراقيون شاهدناها جميعاً والتقطنا معها صوراً تذكارية عديدة تكمن أهميتها في أنها حولت القصة، أو الرواية، أو الأسطورة، إلى لوحة مرسومة، أو عمل نحتي مثل “كهرمانة والأربعين حرامي” أو “شهريار وشهرزاد”، أو غيرها من أعمال الفنان محمد غني حكمت وغيره من المبدعين العراقيين التي زينت ساحات بغداد وأصبحت من أيقوناتها المهمة.
ومن الأمثلة العالمية على فكرة تحول السرد إلى عمل تشكيلي مهم اشتهر أكثر من القصة المكتوبة، هناك نصب فني بعنوان “تمثال الحب” الذي صممته النحاتة الجورجية تمارا كفيسيتادزي tamara kvesitadze إذ يبلغ طوله 8 أمتار مصنوع من الأسلاك المعدنية الصلبة “الفولاذ”، التي تتداخل معاً بالتفافها في حركة دائرية كهربائية، وكأنها تحتضن بعضها، لتستخدم في الرمز كقصة حب مأساوية وقعت في جورجيا منتصف القرن الماضي. يقع التمثالان في مدينة باتومي الساحلية في جورجيا، وهما يعبِّران عن قصة حب “علي ونينو” الشهيرة، وقد رمز تمثال الرجل للشاب المسلم “علي” والمرأة لحبيبته الأميرة الجورجية “نينو”، اللذين استوحيت قصتهما من الرواية الشهيرة التي صدرت عام 1937 وترجمت إلى أكثر من 30 لغة.
قصص حب
ربما اختار الفنان هذه الرواية لكونها لا تقل أهمية عن قصص الحب المشهورة عالمياً مثل قصة قيس وليلى أو روميو وجولييت، أو قصص أخرى مهمة ومؤثرة. ومع أن قصة علي ونينو ليست معروفة بهذا القدر، إلا أنها اشتهرت بشكل أكبر بعد الكشف عن اسم مؤلفها الحقيقي وهو”ليف نوسيمباوم”، إذ كانت الرواية صادرة وعلى غلافها اسم مستعار ” قربان سعيد”، وهي حكاية عشق حصلت في باكو بين رجل مسلم وأميرة شابة مسيحية جورجية الأصل، أدت الاختلافات الثقافية إلى مواجهة العاشقين لمشاكل كثيرة وانفصل الحبيبان نهائياً بعد الاجتياح الروسي. الآن يظهر عاشقا هذه الرواية على شكل تحفة فنية، وقد أخذت الفنانة الأمريكية تمارا كفيسيتادزي المبادرة بإحياء ذكرى الحبيبين عبر تمثيلهما على شكل تمثالين تحت اسم ” تمثال الحب.”
والأجمل من ذلك هو أن هذه التحفة الفولاذية الهائلة متحركة، يتم التحكم بها بواسطة الحاسوب فيقترب العاشقان بلطف من بعضهما كل يوم في حوالى الساعة السابعة مساء كي يتعانقا، ويستمران بالعناق لنحو 10 دقائق بحسب الرواية، ثم يبتعد التمثالان عن بعضهما ويتجه كل منهما إلى الجهة المعاكسة للآخر.
استطاعت الفنانة أن تجسِّد هذه القصة بعمل نحتي غاية في الجمال، من اللقاء بشغف إلى الوداع المأساوي. هذان التمثالان هما أشبه بقصيدة بلا عنوان، وقد عرف الفنان المؤلف كيف يخلّد علاقة التواصل والتفاهم بين الشاب والأميرة الجورجية. يذكر أن مؤلف هذه الرواية “ليف نوسيمباوم” روسي الأصل من مدينة كييف، ولد عام 1905، عاش وقضى معظم طفولته في مدينة باكو، لكن بعد استيلاء البلاشفة على السلطة في روسيا هرب ليف وهو في سن الرابعة عشرة مع أسرته من أذربيجان إلى برلين.