بغداد في عيون جبرا إبراهيم جبرا

حربي محسن عبد الله /

منذ أن قرأت ترجمة جبرا إبراهيم جبرا لرواية جاء فيها المقطع الأثير لشكسبير على لسان مكبث، واسم هذا الرجل يرتبط عندي بهذه الرواية، أعني “الصخب والعنف” لفوكنر، عندما وضع فوكنر تلك الكلمات بمثابة مقدمة لروايته، وهو المقطع التالي:
وغداً وغداً وغداً
وكل غدٍ يزحف بهذه الخطى الحقيرة، يوماً إثر يوم
حتى المقطع الأخير من الزمن المكتوب
تُرى أماسينا وقد أنارت الطريق للحمقى والمساكين
طريق الموت والتراب
ألا انطفئي يا شمعة وجيزة
ما الحياة إلا ظلٌ يمشي، ممثلٌ مسكين يستشيط ساعته ويتبختر على المسرح
ثم لا يسمعه أحد
إنها حكاية يرويها معتوه.. ملؤها الصخب والعنف
وفي النهاية لا تعني أي شيء

بالمناسبة هذا المقطع الشهير أفرد له أحد النقاد دراسة لثماني ترجمات مختلفة، كانت ترجمة جبرا هي الأبرز والأجمل والأكثر جرأة في نقل الموضوع من المصدر، وهو اللغة الإنجليزية، إلى لغة الهدف، كما يعبّر المترجمون.
جبرا إبراهيم جبرا كاتب ومترجم وناقد تشكيلي فلسطيني من السريان الأرثوذوكس من مواليد 1920 في بيت لحم في عهد الانتداب البريطاني، درس في القدس وإنجلترا وأمريكا، غادر القدس إلى بغداد وهو في ريعان الشباب واستقر في العراق لتدريس الأدب الإنجليزي هناك، حيث تعرف عن قرب على النخبة المثقفة وعقد علاقات متينة مع أهم الوجوه الأدبية كالسيّاب والبياتي. يعتبر من أكثر الأدباء العرب إنتاجاً وتنوعاً، إذ عالج الرواية والشعر والترجمة، كما خدم كإداري في مؤسسات النشر، عُرف في بعض الأوساط الفلسطينية بكنية “أبو سدير” التي استغلها في الكثير من مقالاته سواءً بالإنجليزية أو بالعربية، أنتج جبرا أكثر من 70 من الروايات والكتب تأليفاً وترجمة، وترجمت أعمال له إلى اثنتي عشرة لغة. جبرا كلمة آرامية تعني القوة. توفي “جبرا إبراهيم جبرا” عام 1994 في بغداد.
في الشعر لم يكتب جبرا الكثير، ولكن مع ظهور حركة الشعر النثري في العالم العربي خاض تجربته بنفس حماس الشعراء الشبان. وفي النقد يعتبر جبرا من أكثر النقاد حضوراً ومتابعةً في الساحة الثقافية العربية، ولم يكن مقتصراً على الأدب فقط، بل كتب في السينما والفنون التشكيلية، علماً أنه مارس الرسم كهواية. وفي الترجمة مازال إلى اليوم أفضل من ترجم لشكسبير، إذ حافظ على جمالية النص الأصلي، مع الخضوع لنواميس الكتابة في اللغة العربية، كما ترجم الكثير من الكتب المهتمة بتاريخ المشرق مثل “الرمز والأسطورة” و “ما قبل الفلسفة”. أما في الرواية فقد تميز مشروعه الروائي بالبحث عن أسلوب كتاب حداثي يتجاوز أجيال الكتابة السابقة مع نكهة عربية. عالج بالخصوص الشخصية الفلسطينية في الشتات. من أهم أعماله الروائية “السفينة” “والبحث عن وليد مسعود” و “عالم بلا خرائط” بالاشتراك مع عبد الرحمن منيف. بالإضافة إلى روايته التي سنتحدث عنها في هذه السطور وهي رواية “صيادون في شارع ضيق.”
هذه الرواية كتبها باللغة الإنجليزية وصدرت في لندن، وقام محمد عصفور بترجمتها إلى العربية وصدرت عن دار الآداب في بيروت. وهي رواية فيها الكثير من التماهي مع شخصية الكاتب والظروف التي مرّ بها، “وكل قصة تُروى بضمير المتكلم وتجري حوادثها في أماكن تصارع مصيرها صراعاً مأساوياً، يغلب أن تُعتبر سيرة ذاتية، لكنّ المؤلف يرغب أن يؤكّد أن هذه القصة، رغم استنادها على صراعٍ ومأساة هما من صلب المكان والزمان، ليست بأي شكل من الأشكال قصة حياته في بغداد. وليس من بين الشخصيات من هو مستند على أشخاص حقيقيين، وليس هناك أيّما تشابّه بين الراوي جميل الفرّان والمؤلف، إلا في أن الاثنين قد غادرا بيت لحم إلى بغداد عام 1948 لشغل منصب تعليمي في إحدى الكليات،” كما جاء في إهداء الرواية إلى ذكرى والد الكاتب.
بعد أن يصل جميل الفرّان إلى بغداد في رحلة برية مضنية، ويسكن في أحد الفنادق البائسة في شارع الرشيد ببغداد، يطير بأفكاره بجناح الخيال ليصف لنا ماضيه في بيت لحم ليوثق لمجازر الصهاينة وما قاموا به من جرائم: “كان القرويون يذبحون في الظلام الغادر على أيدي رجال لم يروهم من قبل، ولم ينقذ بلدتنا، بلدة المسيح، إلا المتطوعون المستميتون الذين استحكموا بالتلال والمنحدرات التي تحيط بالمدينة، ينتظرون هناك انتظاراً قاسياً، يطلقون نيران بنادقهم من خلف استحكاماتهم، يغيرون ويتراجعون.” كانت القدس في قلب المعركة. وقبل المعركة والمجازر كانت ثمة حياة بجوارها. يصف جميل الفرّان حياته في بيت لحم فيقول: “بجوارنا كان يعيش آل شاهين في بيت أكبر من بيتنا بمرتين.. لم تكد تمضي فترة شهرين (على سكنهم في هذا البيت) حتى أخذت ليلى شاهين تهتم بي اهتماماً خاصاً..(تحول هذا الاهتمام إلى حب).. بعد هذا أخذنا، أنا وليلى، نلتقي علناً.. بعد ليال قليلة استيقظنا على صوت سلسلة من الانفجارات العنيفة التي هزّتْ بيتنا. كان الإرهابيون اليهود يقتلون البريطانيين منذ عدة سنوات، وكانوا ينسفون دوائر الحكومة ومعسكرات الجيش ونوادي الضباط، أما الآن، فقد شرعوا بتوجيه نشاطهم ضد العرب.. ولوقوع حينا في طرف المدينة فقد كان في قبضة الإرهاب.. حدث الانفجار، وعندما نظرت إلى الخارج صرخت مذعوراً، كان بيت آل شاهين ركاماً كبيراً من الحجارة لا يكاد يُرى خلال الليل الأسود.. وكالمجنون، تسلّقت الأنقاض والحجارة الكبيرة وقضبان الحديد في أمل يائس. ثم شعرت بشيء ناعم يرتطم بيدي، فحفرت حوله. كانت يداً مقطوعة من الرسغ. كانت يد ليلى، وخاتم الخطبة يحيط بإصبعها. فجلست وبكيت.”
بقيت تلك الصورة في ذهن بطل الرواية جميل الفرّان إلى الأبد. كل حياته في بغداد وكل ما فيها من التحولات الدرامية والعلاقات الإنسانية والصراعات والمنولوجات الداخلية، لم يمحُ تلك الذكرى. كان يكرر بأن تلك الهمجية “سرقت مسيحنا منا.”
في بغداد تقلب جميل الفرّان مع تقلب الحياة فيها. كان لبغداد، كما جاء على لسان الراوي،” في نظر الغريب على الأقل، جوّ مشحون بالجنس، وما كنت بقادر على الجزم إن كان مردّ ذلك للربط الحتميّ بينها وبين ألف ليلة وليلة، أم لهوائها الجاف، أم لندرة الاتصال الطبيعي مع النساء فيها. وما كانت فينوس لتجد عملاً أسهل من عملها على ضفتيّ دجلة. أما ليلى فرفضت أن تهجرني.. بيد أن انتصار الحياة على الموت كان مفروغاً منه.”
وقع جميل الفرّان في حب سلافة، وهي ابنة مدللة لأحد أثرياء بغداد الأربعينيات، بعد أن قام بتدريسها الأدب الإنجليزي، رغم الحواجز التي بينهما وهي كثيرة، حواجز المعتقد والعادة والتقاليد. وبين سلافة وسلمى خالتها يعيش الفرّان أوقاتاً عاصفة مشوبة بحرارة الجموح العاطفي والرغبة الجنسية العارمة. وهنا يدخل في متاهة عوالم هذه الطبقة الاجتماعية وصراعاتها ومواقفها السياسية والاجتماعية، وتحولاتها، ومصالحها، ونظرتها إلى الحياة وقيمها وخلافاتها مع الطبقات الأدنى. ينتقل الراوي من قاع مدينة بغداد إلى أعلى هرمها السياسي والاقتصادي، فيختلط بمن يعيش على هامش الحياة وبين من يدفع حياته ثمناً لقيم بالية. يشهد جريمة شرف ويرى دم البريئة يُسفح أمام عينيه في غرفة الفندق الذي يسكن فيه، بعد أن يثور أخ مصاب بكبريائه فيقدم على جريمة قتل أخته فقط لأنه سمع كلاماً يلوث شرف العائلة.
يتحدث عن الآشوريين الذين لا يكفّون عن تذكير الآخرين بكل تلك الثيران المجنحة و”الأرواح الحارسة” الصخرية، المنحوتة على شكل عقبان تزيّن أبواب مدينة امبراطوريّة فسيحة في يوم من الأيام. وبوسع أي شخص أن يتصوّر آلاف الأسرى من شعوب كثيرة، وثرواتها، وهي تصبّ فيها تحت حماية تلك الآلهة العاتية ذات العيون الكبيرة. تلك العيون التي “تمثّلتْ بأسره في عضلاتها الرائعة التكوين.” وينتقل إلى مواسم عاشوراء وطقوسها فيقول على لسان الراوي: “في إحدى الليالي، ملأ صوت ذهبيّ غريب يترنّم بدعاء طويل، كان ندباً على مقتل الحسين، الإمام الشهيد، وينبعث من مكبرات الصوت الموضوعة ربما على مئذنة جامع قريب (وهو جامع الخلاني بالتأكيد)، وامتلأت الشوارع خلال الأيام العشرة التالية بمواكب الرجال والنساء الذين يحيون ذكرى آلام الحسين بن علي بأهازيج حزينة طويلة، كما فعلوا طيلة الثلاثة عشر قرناً الماضية.”
وهكذا يتنقل الراوي بنا عبر صفحات هذه الرواية ليصف بتفاصيل كثيرة زوايا وأماكن بغداد الأربعينيات، بكل سحرها وألقها وعنفوانها وصراعاتها وآلامها وآمالها ونشيج غربائها وسيرة مناضليها. عبر شارع أبي نوّاس ونهر دجلة وصيادي السمك في ذلك الشارع الضيق.