إيجابيات كورونا على البيئة في العالم

#خليك_بالبيت

مات مكجراث، عن/ BBC
ترجمة: آلاء فائق


كان لسياسة حظر التجوال والحجر الصحي التي تبعتها جميع بلدان العالم لكبح انتشار فيروس كورونا، الذي أثار رعباً عالمياً وحصد أرواح ما يزيد على 120 ألف فرد، وأصاب ما يفوق المليونين شخص عبر العالم، مع توجيهه ضربة مباشرة للاقتصاد العالمي.. كان لها من جهة أخرى أثر إيجابي على الحياة الإنسانية.
رأي الباحثين
فبينما أثر تفشي الفيروس سلبياً على عمل الناس والدراسة وشلّ حركة السفر في العالم، شهدت مستويات تلوث الهواء وغازات الاحتباس الحراري فوق بعض المدن والمناطق انخفاضاً كبيراً.
أفاد باحثون في نيويورك لـ “بي بي سي” أنّ نتائجهم الأولية أظهرت انخفاضاً رئيساً يقدر بنحو 50 بالمئة لغاز أول أوكسيد الكاربون المنبعث من عادمات السيارات مقارنة مع العام الماضي، كما انخفضت انبعاثات ثاني أوكسيد الكاربون وهو أحد الانبعاثات المضرة التي تساهم في تسخين كوكب الأرض بشكل حاد.
فمع انخفاض النشاط الاقتصادي العالمي نتيجة لتفشي الوباء، فإنّه ليس من المستغرب أن تقل انبعاثات مجموعة متنوعة من الغازات المتعلقة بالطاقة والنقل.
في حين أشارت البيانات الأولية التي تمّ جمعها في نيويورك مؤخرا إلى أنّ تعليمات الحدّ من السفر غير الضروري كان لها تأثيرٌ إيجابيٌ كبيرٌ على البيئة.
الثلوث في المدن الاقتصادية
بيّنتْ صور الأقمار الصناعية أن غيمة التلوث انخفضت مستوياتها بالعديد من الدول الأوروبية كإيطاليا وفرنسا والمملكة المتحدة، كما شهدت مدينة ميلانو هي الأخرى انخفاضا ملموسا بمستويات ثاني أوكسيد النيتروجين وبشكل تدريجي بعد دخول المدينة في حجر صحي شل حركة كل القطاعات الاقتصادية.
كما نشرت وكالة “ناسا” الأميركية مقاطع فيديو لتوضيح مدى انخفاض التلوث البيئي بالعديد من المدن الاقتصادية العالمية، فقد نقل موقع “نوتر بلانات. انفو” الفرنسي المتخصّص بالبيئة صوراً لانخفاض غيمة التلوث التي كانت تغزو معظم المدن الفرنسية، وربط الموقع هذا الانخفاض بسياسة الإغلاق التام.
كورونا والاحتباس الحراري
من بين الدول الأخرى التي شهدت انخفاضا بمستويات التلوث هي الولايات المتحدة الأميركية، ففي نيويورك وحدها تراجعت مستويات التلوث بنحو 50 بالمئة مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، ويرجع ذلك أساساً لانخفاض حركة السيارات والشاحنات على مدى بضعة أيام خلال الأسابيع الأخيرة الماضية. ومن المقدر أن تنخفض مستويات حركة المرور في مدينة نيويورك وحدها إلى 35 بالمئة مقارنة بالعام الماضي. كما بيّنتْ مجموعة من الباحثين في جامعة كولومبيا انخفاضا مفاجئا بانبعاثات الغازات المسبِّبة للاحتباس الحراري تزامنا مع إغلاق المصانع وشبكات النقل والشركات .فقد شهد غاز ثاني اوكسيد الكاربون انخفاضاً يقدّر بنسبة 5-10 بالمئة فوق مدينة نيويورك وانخفاضاً قوياً في غاز الميثان وأول أوكسيد الكربون كذلك.
يشير البروفيسور روايسين كومان، من جامعة كولومبيا، الذي أجرى أعمال المراقبة الجوية في العاصمة نيويورك: “كانت أرقام أول أوكسيد الكاربون في نيويورك عالية بشكل استثنائي في العام الماضي ونصف السنة الحالية، مبيناً أن شهر آذار الماضي كان أنظف مقارنة بالسنة الماضية”.
أخطر الغازات في الصين وإيطاليا
لكن على الرغم من وجود عدد من المحاذير بشأن هذه النتائج، غير أنّها تعكس الآثار البيئية المرتبطة بتفشي الفيروس في كل من الصين وإيطاليا. حيث أشار تحليل موجز أجري عن المناخ، قام به موقع كاربون بريف إلى حدوث انخفاض بنسبة 25 بالمئة في استخدام الطاقة والانبعاثات في الصين على مدى الأسابيع الأخيرة الماضية. ويعتقد الخبراء أنّ هذا من المحتمل أن يؤدي لانخفاض إجمالي بنسبة واحد بالمئة تقريباً في انبعاثات الكاربون في الصين هذا العام.
كما سجّلت كل من الصين وشمال إيطاليا انخفاضاً كبيراً في ثاني أوكسيد النيتروجين، الذي يرتبط بانخفاض حركة السيارات والنشاط الصناعي، حيث يعدّ هذا الغاز ملوّثاً خطيراً للهواء كما يسهم بشكل غير مباشر في ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض.
انعدام الانبعاثات
مع توقف حركة الطيران وتعطيل عمل ملايين الأفراد وبقائهم في منازلهم، من المرجّح أن تتبع مجموعة من الانبعاثات نفس المسار الهبوطي عبر العديد من البلدان.
في حين أنّ الأشخاص الذين يعملون من المنزل من المرجح أن يزيدوا من استخدام التدفئة المنزلية والكهرباء، لكن من المرجح أن يؤثر كبح التنقل والتباطؤ العام في الأنظمة الاقتصادية على الانبعاثات بشكل كلي.
يقول البروفيسور كومان: “أتوقع أن نحصل على أقل زيادة في الفترة ما بين بداية إلى منتصف أيار، مبيناً وصول نسبة ثاني أوكسيد الكاربون ذروتها في نصف الكرة الشمالي منذ العام 2009، أو حتى قبل ذلك بقليل”.
وقد ردّد هذا الرأي آخرون، ممن يعملون في هذا المجال، الذين يعتقدون أن الإغلاق سيؤثر على مستويات ثاني أوكسيد الكاربون طوال هذا العام.
وقالت البرفيسور كورين لو كويري من جامعة إيست أنجليا: “سيعتمد ذلك على مدة استمرار الوباء، ومدى انتشاره وتأثيره على التباطؤ في الاقتصاد، لا سيما في الولايات المتحدة. لكن أعتقد على الأرجح أنّنا سنرى انخفاضاً في الانبعاثات العالمية هذا العام، لا سيما اذا استمر الوباء ثلاثة أو أربعة أشهر أخرى، فمن المؤكد أنّنا يمكن أن نرى بعض الانخفاض بنسب الانبعاثات الضارة”.
كيفية الحدّ من الانبعاثات؟
من المحتمل أن يحصل فرق كبير في حجم انبعاثات الكاربون وتلوث الهواء، لكن حكومات العالم ستتخذ قراراً بإعادة تنشيط اقتصاداتها، حالما تخفّ حدّة الوباء.
بالعودة لعامي 2008 – 2009، وتحديدا بعد الانهيار المالي العالمي، شهد العالم ارتفاعا بانبعاثات الكاربون بنسبة خمسة بالمئة نتيجة لارتفاع الإنفاق التحفيزي الذي عزّز من استخدام الوقود الاحفوري.
في الأشهر المقبلة، ستتاح الفرصة للحكومات لتغيير هذه النتيجة، فبإمكان الحكومات الإصرار مثلا، على أنّ أي خطة إنقاذ لشركات الطيران ستكون مرتبطة بتخفيضات أكثر صرامة على انبعاثات الطيران.
تحذيرات علماء البيئة
يتخوّف العلماء من عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل ظهور الفيروس، ما قد يؤدي لارتفاع نسب التلوث لمستويات أعلى مما كانت عليه من قبل، وذلك بسبب السعي لتعويض الخسائر التي تراكمت بسبب الإغلاق.
يقول البروفيسور لو كيري: “يتعيّن على الحكومات الآن توخي الحذر بشأن كيفية إعادة تنشيط اقتصاداتها، مع مراعاة عدم حبس الوقود الاحفوري مرة أخرى، وعليهم التركيز على الأمور التي من شأنها خفض الانبعاثات الضارة، كتجديد المباني، ووضع مضخات الحرارة والشواحن الكهربائية، فهذه ليست أموراً معقدة ويمكن القيام بها على الفور، بدل توجيه جل اهتمامهم إلى انتظار الحوافز المالية فقط “.
ومع ذلك، يجادل البعض في أنّه في حال استمرار الوباء لفترة طويلة، فمن المرجح أن يركز أي حافز على تعزيز أي نمو اقتصادي بغض النظر عن تأثيره السلبي على البيئة.
الطاقة النظيفة
يقول البروفيسور جلين بيترز من مركز البحوث المناخية الدولية: “أعتقد أن المناخ يمكن أن يتراجع مستقبلا، وفي حالة كهذه، لا أعتقد أنّ هناك الكثير من الآمال المحفِّزة لتغليب الطاقة النظيفة”.
ويضيف: “إن أي حافز سيساعد أولئك الذين يعانون من فقدان الوظائف كالسياحة والوظائف الخدمية الأخرى. أعتقد أن هذا يختلف تماماً عن الأزمة المالية العالمية. يمكن أن تكون الأشياء الفضية الوحيدة هي تعلُّم ممارسات جديدة كالعمل عن بعد، والشراء على مدى بضع سنوات صناعات ناجحة بنمو أوطأ والسماح للطاقة الشمسية والرياح بأخذ مدياتها الحقيقية على الأرض، مع ذلك، قد تكون هذه ليست أكثر من بطانات فضية صغيرة”.
يرى كثيرون أنّ تأثير وباء كورونا على البيئة لن يكون طويل الأمد كتأثير الأزمة العالمية السابقة، إذ انخفض الطلب على سبيل المثال على المنتجات النفطية والفولاذ وغيره من المعادن، لكنّ مخزون هذه المنتجات بلغ حدّاً غير مسبوق، وسرعان ما سيستعيد الإنتاج سرعته بعد انحسار الوباء.