العمل وقوانين العمالة في زمن كورونا

#خليك_بالبيت

د. خنساء محمد جاسم الشمري /

تلوذ بالصمت وهو يحتضر، في تلافيف الحياة يغدو كادحاً، معيلاً واثقاً أن العبادة أوقات يقضيها وهو يعمل، لم يخطر ببالها أن حضوره الصامت رسالة وداع، وقد أصبح الموت صياداً ماهراً في شوارع محتل اسمه (كوفيد 19). وهكذا لم أجد صعوبة في استهلال مقالتي بمأساة أكبر من تلك التي قدمت والبطل فيها (عامل) والجلّاد (احتلال قدري).
في 11 مارس / آذار 2020، اعلنت منظمة الصحة العالمية أن تفشي مرض (كوفيد 19) الناتج عن فايروس كورونا قد بلغ مستوى الجائحة، داعية الحكومات إلى اتخاذ خطوات صارمة لوقف انتشار الفيروس مشيرة إلى مخاوفها بشأن المستويات المقلقة للانتشار وشدته.
الصدمة الكبرى أن المحتل اللعين بمجنزرات الموت يستهدف المستضعفين، عمالاً يتقاسمون القناعة والقوت بأجر يومي، حياة يحيونها، صارت مآسي إنسانية لا تحصى.
ثمة سؤال مبرر: هل استجابت معايير منظمة العمل الدولية وظروف جائحة كورونا لاحتياجات طبقة العمال وذوي الدخل المحدود؟ الأمر يستدعي أن نعرض لبعض الأطر القانونية الدولية التي توجب على حكومات الدول العمل ضمنها لاحتواء الأزمة، إذ توفر نصوص اتفاقية النهوض بالعمالة والحماية من البطالة رقم 168 لسنة 1988 حماية قانونية فعالة لطبقة العمال. ولما كانت احتمالية تعليق وظائفهم أو إنهائها أو تخفيضها أمراً وارداً لأسباب متعلقة بالصحة والسلامة تارة وبالانكماش الاقتصادي تارة أخرى، فإن المعايير التي تقدمها هذه الاتفاقية من شأنها تأمين استفادة هذه الطبقة من إعانات البطالة أو المساعدات للتعويض عن الخسارة. وتشير الفقرة الثانية من المادة 10 من هذه الاتفاقية الى الاحتمالات الواجبة التغطية لتشمل حالتين وهما: فقد الكسب بسبب البطالة الجزئية، أي التخفيض المؤقت في ساعات العمل، وتوقف الكسب أو نقصه بسبب فقد مؤقت للوظيفة دون إنهاء علاقة العمل، وبوجه خاص لأسباب اقتصادية وغيرها، وتقرّ الاتفاقية حكماً بتوسيع نطاق الحماية التي توفرها لتشمل الحالتين أعلاه. ولعل ظروف الجائحة قد ألقت بظلالها لنكون إزاء الوضع القانوني المذكور.
من جانب آخر فإن اتفاقية إنهاء الاستخدام الفردي رقم 158 لسنة 1982 تشير إلى أن التغيب المؤقت عن العمل بسبب مرض أو مسؤوليات عائلية لا يشكل سبباً مشروعاً لإنهاء الاستخدام، وبالتالي فإن الوضع الصحي للعامل الذي قد يتغيب عن عمله بسبب ظروف مرضه لإصابته بفيروس كورونا لا يسوِّغ لرب العمل إنهاء استخدامه.
وبقدر تعلق الأمر بحماية الأجور، فإن اتفاقية حماية الأجور لسنة 1949 تشير في المادة 11 منها إلى أن يعامل العمال كدائنين ممتازين بالنسبة لما لهم من أجور غير مدفوعة ومحميّة من القوانين الوطنية المطبقة.
ويبدو من المتصور أن تتحقق الحالة أعلاه عند إفلاس منشأة او تصفيتها قضائياً جرّاء الجائحة. وتوجب اتفاقية السلامة والصحة المهنيتين رقم 155 لسنة 1981 على أصحاب العمل الاضطلاع بالمسؤولية لاتخاذ التدابير الوقائية لتقليص المخاطر المهنية إلى أدنى مستوياتها، أما اتفاقية إعانات إصابات العمل رقم (121) لسنة 1964 فإنها تضمن أن إصابة العامل بالمرض الوبائي وما يصاحبها من اضطرابات نفسية لاحقة، يمكن عدّها من الأمراض المهنية، بمعنى استحقاقه التعويض النقدي والرعاية الطبية والإعانات المرتبطة بها، التي تشمل أسرة الشخص المتوفي بالمرض، إذ يستحق الإعانات النقدية بما في ذلك الهبات وإعانات مراسم الدفن. ويبدو من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن اتفاقية الرعاية الطبية وإعانات المرض رقم (130) لسنة 1969 واتفاقية الضمان الاجتماعي (المعايير الدينا) رقم (102) لسنة 1952 توفران الأطر القانونية لضمان الوصول إلى الرعاية الصحية المناسبة والخدمات ذات الطابع الوقائي والعلاجي للأشخاص المصابين بكوفيد 19 من العمال بما في ذلك رعاية الأطباء والمعدات الصيدلية وإعادة التأهيل الطبية.
من الجدير بالذكر أن توصية الرعاية الطبية وإعانات المرضى رقم 134 لسنة 1969 تمثل الغطاء القانوني للعمال الذين يتغيبون عن العمل لأغراض الحجر الصحي أو لأغراض الرعاية الطبية الوقائية والعلاجية، إذ يجب أن يحظوا بإعانات نقدية مرضية، وأكثر من ذلك فإن العمال ذوي المسؤوليات العائلية وكما ورد في التوصية رقم 165 لسنة 1981، يستطيعون الحصول على الإجازة في أحوال تغيبهم عن العمل بسبب مرض أحد أفراد عوائلهم ممن هم تحت رعايتهم أو إعالتهم، كما يؤخذ ذلك بنظر الاعتبار في ترتيبات نظام العمل في النوبات وترتيبات العمل الليلي.
ولأن معايير العمل الدولية مرنة وقادرة على التكيف مع الظروف فإنها تستجيب بالضرورة لحالات القوة القاهرة أو الطوارئ، ولاسيما حين يتعلق ذلك بأوقات العمل، إذ تشير توصية تخفيض ساعات العمل رقم 116 لسنة 1962 إلى أن السلطة أو الهيئة المختصة في كل بلد يجب أن تحدد الظروف والقيود التي يمكن السماح فيها باستثناءات ساعات العمل العادية في أحوال القوة القاهرة. وبقدر تعلق الأمر بحماية العاملين في المجال الصحي، فإن أفراد الجيش الأبيض هم الأكثر عرضة لعدوى الإصابة بمرض كوفيد-19، وإن اتفاقية العاملين بالتمريض رقم 149 لسنة 1977 قد تولت تنظيم حقوقهم ودعت الحكومات إلى تحسين القوانين واللوائح المتعلقة بالسلامة والصحة المهنيتين مع ظروف العمل في بيئة خاصة مثل التمريض.
في السياق ذاته، تدعو توصية العاملين بالتمريض رقم 157 لسنة 1977 إلى اتخاذ التدابير الكفيلة لضمان عدم تعرض العاملين في التمريض لمخاطر خاصة أو التقليل منها إلى أدنى مستوى، بما في ذلك تقديم الملابس الواقية وتقصير ساعات العمل والإبعاد بصورة مؤقتة عن الخطر والتعويض المالي في حالة التعرض لمخاطر خاصة.
ثمة تساؤل مشروع عن القيمة القانونية لمعايير العمل الدولية بالنسبة للدول والحكومات، ونقول إن معايير العمل الدولية لا تثبت فعاليتها إلا عند إنفاذها داخل الدول، ولتحقيق هذا الهدف فإن اتفاقيات العمل الدولية تخضع لنظام إشرافي على المستوى العالمي يكفل التزام البلدان التي صادقت عليها بتطبيقها، وتقع على عاتق منظمات العمل وأصحاب العمل وهيئات المجتمع المدني مسؤوليات التحقق في مدى الحاجة إلى معايير عمل دولية جديدة، كما يقوم خبراء منظمة العمل الدولية بدور محوري في تزويد البلدان بالمشورة اللازمة عن التعديلات التشريعية الطارئة في هذا المجال.