المتحوّلون والمسوخ في الأساطير البشرية

محمد جواد/

لقد شاهد الكثير منا في التلفزيون أفلام (المتحولون) والذين هم أجسام عملاقة فيها روح وعلى شكل بشر عمالقة ويتكلمون كالبشر لكنهم من المعادن ويقفون مع أو ضد البشر، أي أن فيهم الأخيار وفيهم الأشرار ولهم القدرة العجيبة على التحول إلى أي شكل لأداة أو جهاز أو واسطة نقل تتكون غالبيتها من المعادن كالسيارة مثلاً أو الرافعة أو الدبابة.

وقد جعلت السينما الهوليودية منهم عاملاً اساسياً في تقرير مصير البشرية على الأرض، فالصالحون منهم يقفون مع البشر ضد الغزاة من المتحولين الذين يريدون السيطرة على كوكب الأرض أو حتى ربما تدميره بالكامل.

إن فكرة التحول من شيء إلى شيء آخر ليست غريبة في المفاهيم والتفكير البشري ولها تأثيرات وانعكاسات ذاتية وموضوعية ولسوف نطلع على فروعها الرئيسة في التواجد الحضاري البشري وفي الطبيعة والظواهر التي تحدث في الكون الواسع الكبير.
وفيما يلي نبذة عن الأنواع الرئيسة للتحول والمتحولين:

تضخيم وتقزيم

-التحول العقلي النفسي الداخلي وما نسميه بمرض انفصام الشخصية، فالشخص نفسه ونفس حجمه ولكن كلما يأتيه التحول ينفصم عن حالته الطبيعية ويتصرف على أساس شخصية أخرى تختلف عن حقيقته. وهذا ما شاهدناه في فيلم لشادية وسعاد حسني بعنوان (ذات الوجهين ونادية) حيث تتحول البطلة وتتقمص عدة شخصيات مختلفة وتتحول ذهنياً إلى أشخاص آخرين لا يمتّون بصلة إلى شخصيتها الأصلية.
-تحوّل الأشخاص بنفس أشكالهم البشرية وعقولهم الواعية ولكن بتغير أحجامهم إلى عمالقة كما في فلم (Hulk ) المتضخم الكبير أو إلى حجم متناهٍ في الصغر مثل أفلام كارتون (نيلز).

المسوخ

تحوّل الأشخاص إلى أشكال حيوانية بين الحين والآخر بسبب عضّة حيوان كما في فلم (الرجل الذئب)، ويشترك هؤلاء مع مرضى انفصام الشخصية بأنهم لا يتذكرون القيام بأعمال وحشية عند تحولهم إلى ذئاب.

-تحول الأشخاص من إنسان طبيعي إلى إنسان مدرك أضافة إلى قدرات جديدة يكتسبها بسبب لسعة حشرة كما في فلم (الرجل العنكبوت) .

-تحول الأشخاص من الحالة العادية إلى امتلاك قدرات مذهله بسبب الانتقال من كوكب إلى كوكب آخر بعيد مختلف في جوّه وجاذبيته مثل فلم (سوبرمان).

-تحول العناصر الطبيعية من شكل إلى آخر، فالماء يجري سائلاً في الجداول والأنهار ثم نراه يخرج من فوهة القطار على شكل بخار ونراه قطعاً من الجليد الصلب الذي حطم أعظم سفينة في عصرها ( تيتانك). والتحول الطبيعي يجري في سماء لندن، فقبل عشر دقائق كانت السماء صافية ثم تلبدت بالغيوم فأمطرت مطراً غزيراً وبعد عشر دقائق أو ربع ساعة توقف المطر وهكذا ترى شارع أكسفورد قد اكتظ فجأة بمظلات الناس السائرين فيه وبعد حين أنزلت الأيدي والمظلات كأن شيئاً لم يكن، فقد اعتاد اللندنيون على هذه التحولات الطقسية.

تحولات الطبيعة

-تحول القمر من مكان إلى آخر وتحوله من شكل إلى آخر خلال الشهر، فمن محاق إلى هلال إلى بدر وهكذا وكذلك تحول النور والنهار في الأرض إلى ظلام وليل وتحول الشمس من مكان إلى آخر من المشرق إلى المغرب وفي حقيقته هو دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس فهذه تحولات كوكبية وكونية .

-تحولات البشر إلى اشكال آخرى بسبب السحر والساحرات ورمي البشر باللعنات ووضع الشروط لارجاع البشر إلى حالتهم الاولى الطبيعية مثل فلم (الحسناء والوحش) .

-تحول البشر إلى حجر كما في المعتقدات اليونانية فالذي ينظر إلى عين الجنية (ميدوسا) فإنه يتحول رأساً إلى حجر بسبب السحر العجيب .

-التحول البشري بمعنى النمو والتطور العقلي والحجمي للجسم كتطور الإنسان من طفل إلى شاب فرجل فشيخ كبير، وتحوّله من كائن حي صغير بين جدران لحمية رقيقة مغلقة (الرحم) إلى بالغ ميت بين جدران ترابية أو حجرية (القبر).

كلكامش

-التحولات البشرية إلى اشكال أخرى بسبب رغبة الآلهة أو غضب الأرباب على البشر ومثال ذلك ما قاله كلكامش للإلهة عشتار في ملحمة كلكامش بعد رجوعه مع صديقه انكيدو واحتفالهما بالنصر لقتلهما الوحش خمبابا وعشتار ارادت الزواج بالبطل كلكامش فبيّن عارها وفحشاءها ومثالبها وكما يلي:

-أحببت راعي القطيع

-الذي لم ينقطع يقدم إليك أكداس الخبز

-وينحر الجداء ويطبخها لك كل يوم

-ولكنك ضربته وحولته (ذئباً)

-وأحببت ( إيشولنو) بستاني أبيك

-الذي حمل اليك سلال التمر بلا انقطاع

وجعل مائدتك عامرة بالوفير من الزاد كل يوم

ثم سمعت عشتار منه كلاماً لا يعجبها فنكمل القصيدة:

-وأنت لما سمعت قوله هذا

-ضربته بعصاك ومسخته (ضفدعاً)

-ووضعته وسط البساتين

-فلا يستطيع ان يعلو مرتفعاً ولا ينزل منحدراً

-فاذا أحببتني فستجعلين مصيري مثل هؤلاء

ولا ننسى أخيراً أن الله سبحانه قد ذكر في القرآن الكريم أنه قد غضب على أقوام فحولهم إلى قردة وخنازير بسبب معصيتهم وأعمالهم المخالفة لأوامره.

ولابد أن نذكر أن المجتمعات والحضارات البشرية تعتبر مثل الكائن الحي في نشوئه وتعاظم قوته ثم أفوله وموته وهذا هو نوع آخر من التحولات البشرية الضخمة التي تعطي مفهوماً آخر يؤدي إلى التغيرات الجذرية في المجتمع التي سميت لاحقاً بالثورات.