حين يعتم الحاضر يكون شحوب الماضي بريقاً

عبد الزهرة زكي/

حينما كنت شاباً في العشرينات من عمري، وحين كنت أقرأ سيرة شاعر أو أي كاتب، كنت أنظر إلى مستقبلي شيخاً فأتساءل مع نفسي من موقع ذلك الشاب: ترى ما الذي في حياتنا يصلح ويستحق أن يكون موضوعاً لكتابة سيرة؟ أما وقد تقدمت السنوات، ويكاد محيط دائرة الحياة يقارب على الانغلاق فإن التساؤل من موقع الشيخ هو كالتالي: ترى من أية نقطة من محيط هذه الدائرة ينبغي الآن البدء بكتابة السيرة؟
الحياة التي كثيراً ما كانت تبدو في لحظة العيش فيها على أنها أتفه من أن تستحق الكتابة عنها هي نفسها التي يجري النظر إليها الآن، وقد تولّت وانصرمت، محيطاً عظيماً من الوقائع والخبرات والتجارب والعلاقات، المهم منها والعادي، الإستثنائي والتقليدي، حتى ليحار المرء من أين يبدأ الكتابة التي تستحق.
ليست هناك حياة تصلح لتكون موضوعاً للكتابة عنه وأخرى لا تصلح.. الكتابة هي ليست ماذا نكتب، مع أهمية هذا الجانب، إنها في جانبها الأشد أهمية: كيف نكتب؟ كيف ننظر إلى الماضي، ماضينا وماضي حياتنا الخاصة باختلاطاتها وعزلاتها، برتابتها وحيويتها، بانكساراتها وانتصاراتها. كنت، شاباً، أتوقع أن السَير الرتيب ليومياتنا لا يجعل من هذه الحياة موضوعاً جديراً بالكتابة وقادراً على أن يمنح الكاتب فرصة وضع (سيرة ذاتية). كان هذا التفكير يتضخم بتشاؤمه كلما كنت أقرأ واحداً من كتب السيرة الممتعة.
متعة تلك الكتب والجانب المدهش فيها يغريان كثيراً بالتفكير بكتابة السيرة، لكنهما كثيراً أيضاً ما يحبطان ذلك التفكير. أتحدث هنا تحديداً عن السيرة الذاتية التي يكتبها المؤلفون أنفسهم عن (تفاصيل) حيواتهم، ولعلّ من سوء حظي أو من حسن الحظ أن كتاب بابلو نيرودا كان واحداً من بواكير كتب السيرة الذاتية التي كنت قد قرأتها في شبابي ومعه بدوت حين ذاك يائساً من إمكانية التوفر على حياة جديرة بالكتابة عنها، كان كتاب نيرودا بعنوان: (أشهد أني قد عشت حقاً)!
كتاب نيرودا يفصح عن حياة يحق للمرء أن يعلن بعدها، أو في نهاياتها، أنه قد عاش حقاً، كما يصرِّح بذلك عنوان سيرة نيرودا. إنها حياة خصبة وحرة وقد تصادفت، ربما، مع ربيع ثقافي عالمي امتدّ طويلاً في ذلك القرن الحيوي، وبما جعل منها، من حياة نيرودا، مشعةً وجديرة فعلاً بالكتابة عنها. نيرودا نفسه رجل حيوي يقبل على الشعر والسياسة والحب والحياة بالمزاج الرائق ذاته. إنها حياة ليس من اليسير أن تتكرر. أعتقد أن الشاعر ذاته هو الأقدر على أن يخلق البريق الخاص بحياته حيثما كان وكيفما كانت الظروف. الشعر طريقة في العيش وأسلوب في الرؤية.
لكن هل الحياة وحدها (ظرفها وطريقة عيشها ومشاقها ومسراتها) هي المجال المحدد لكتابة السيرة حين يكون مؤلفها شاعراً أو كاتباً بقيمة نيرودا؟ ماذا عن حياته الداخلية كشاعر، عن سيرته الكتابية، عن سيرة نصوصه؟ لم ينشغل نيرودا بكثير من هذه الجوانب المهمة. كانت الحياة هي الأهم والأكثر استئثاراً في سيرة الشاعر التشيلي.
كثيرون يؤكدون أهمية كتابة السيرة الذاتية وضرورتها سواء للقراء أم للمؤرخين والنقاد، ويقابلهم آخرون كثيرون أيضاً يشككون بصدقية وجدية كثير مما يأتي في السيرة حين يكون مؤلفها المرء نفسه. في الآراء المعتدلة ما بين الطرفين ستكون السيرة الذاتية أقرب إلى شهادة المرء عن حياته. وأنا أميل إلى أهمية أن ينظر إلى السيرة الذاتية على أنها شهادة ليست إلا، وكل هذا ليس في وارد اهتمامي الآن؛ ما هو مهم كيف يمكن لحياة رتيبة أن تكون داعياً ومسوغاً لكتابة سيرة أو لنسمِّها شهادة؟
إننا نتحدث عن كتاب (هو سيرة ذاتية)، ولا يكون الكتاب كتاباً إلا بالكتابة. طبيعة الكتابة (كيف نكتب) هي ما تقرر قيمة الكتاب، وما موضوعه إلا مناسبة لتنفيذ هذه القيمة؛ قيمة الكتابة نفسها. قيمة الكتابة هي أهم من قيمة الحياة المكتوب عنها بالنسبة للكاتب.
لكن هذا التركيز على قيمة الكتابة ليس وحده المعيار الحاسم في أهمية كتابٍ ما من كتب السيرة و سواها أو عدم أهميته. هناك الكثير من كتب السيرة التي تحظى بأهمية معينة تقرر قيمتها كمية ونوع المعلومات التي ترد فيها. قبل سنوات أُتيح لي أن أقرأ كتاب السيرة الذاتية للطبيب العراقي الراحل الدكتور كمال السامرائي. إنه واحد من أمتع الكتب التي قرأتها في جفاف سنوات الحصار التسعينية. لقد كانت الحياة في بغداد يومها تجنح نحو الشحوب والاضمحلال فيما كان الكتاب يتحدث عن جمال لم يعد معيشاً ولا مرئياً في الحياة البغدادية؛ إنها السنوات التي عاشها واحد من أكفأ أطباء بغداد في مدينته حينما كانت في مطلع تفتحها المعاصر وتطلعها إلى أن تكون مدينة عصرية، وربما كان هذا التقابل بين الزمنين: زمن قراءتي الكتاب في التسعينات التعيسة وزمن حياة مؤلفه في مطالع القرن العشرين هو مما يشعّ بضوء باهر على السيرة الممتعة لكمال السامرائي. لقد عوض غنى عوالم الحياة المروية في هذه السيرة زهداً واضحاً في تقنية الكتابة، وبما جعل منه زهداً غير مرئي وغير جدير بالانتباه من لدن قارئ مفتون بفن الكتابة أكثر مما ينشغل بسواها.
هذه العوالم الآسرة المستعادة تتكرر في كتاب آخر صدر في بغداد أيضاً خلال السنوات التسعينية نفسها واستغرقت كثيراً بمتعته، إنه كتاب (بغداد في العشرينيات) لمؤلفه عباس عزاوي، وهو كتاب مذكرات وليس تحديداً سيرةً لمؤلفه. لكنه كتاب ممتع عن الحياة البغدادية في مطالع قرن التأسيس التي يضاف إلى كتب أخرى ككتب أمين المميز ورفعة الجادرجي وعبدالكريم العلاف وسواهم فضلا عن مذكرات رحالة ومستشرقين كانوا قد مروا يوما في دار السلام حينما كانت قد بدأت تتنفس فجر نهوض حيوي لها مطلع ذلك القرن. إنها كتب منحها شحوب الحاضر وقت صدورها الكثير من الضوء.