ساورا الإسباني يرقص في الأرجنتين

مقداد عبد الرضا /

الكتابة مباشرة الى السينما تحتاج الى خيال, والخيال أهم من المعرفة, والمعرفة لاتأتي من التسكع والجلوس في المقاهي، فالمقاهي في العالم وجدت من أجل الإنتاج, إنتاج الشعر والراوية والسينما. مرّ على العاصفة أكثر من ستة عشر عاماً ولم نجد فيلماً يعصف بنا, لم؟ لأننا نتخذ من المقاهي مكاناً للتبجح والثرثرة غير المجدية, الحال ليس الآن فقط, إنها حالة يتصف بها البعض للأسف منذ زمن بعيد، وتفقس! أفضل إنجازاتنا يصفق لها أصدقاؤنا فقط ولا يعرفها العالم, أيضاً للأسف.

يترك فلامنكو بلده إسبانيا حيث السحر والانسياب المتناسق والإيقاع الفذ ويسافر الى الأرجنتين ليصنع فيلماً أخاذاً ساحراً صفق له الكثير ورحبوا به. كارلوس ساورا ابن إسبانيا الفذ وعاشق سينماها الراقصة والشغوف بالفوتغراف, فهو ابن فن, أمه عازفة بيانو وأخوه انتونيو رسام, صنع أول افلامه(16 ملم) في العام 1950واستمر هذا العشق حتى هذه اللحظة (87 عاماً)التي يسجل فيها تحية كبيرة الى بيكاسو والكرينكا(قيد الإنجاز).
إن أغلب أفلامه متعلق بالإيقاع, الموسيقى والرقص (كارمن, عرس الدم), تانغو هو الأكثر سحراً, مغامرة خطيرة, فإما أن نصفق له أو أن ندير له ظهورنا ونترك القاعة. ساورا، الواثق من خطواته التي وضعته فوق خارطة الأرض بعد أن قدم لنا فيلمه الأخاذ (كارمن) 1982(جائزة كان الكبرى) والأن (رقصة التانغو) التي تفصح عن روح أميركا اللاتينية برمتها, ساورا يمسك بإيقاعها بجنون ومغامرة، كمن يسير فوق حبل في فضاء عالٍ فإما أن يقطع المسافة بنجاح او يهوى إلى الأرض وتنتهي حياته.
كيف يموت السحرة ؟ ساورا يعرف أدواته بدقة متناهية, بين فلامنكو إسبانيا وتانغو الأرجنتين هناك مجموعة من الأفلام قام ساورا بتحقيقها, منها الدورادو, أطلق, الجنوب, ماراثون.. لكن واحداً من مجموع هذه الأفلام لم يرتقِ الى مصاف إيقاعاته الجسدية, هو شغوف بالجسد وحركاته بالموسيقى بالرقص بالأقدام التي تضرب الأرض بقوة لتخضر وتطفو وترتفع حتى تغطي أركان الأرجنتين، بل والعالم. تانغو كان يمكن أن يقدمه ساورا في إسبانيا حيث سحر الطبيعة الأخاذ, غابات، معسكرات الغجر, لكنه فضّل أن يجرب إيقاعه في البلاد الأصل: الأرجنتين. ستة أشهر هي الفترة الزمنية التي صور فيها الفيلم, وقع اختياره على ستديو بمساحة تقدر بـ 1200 متر مربع واستعان بواحد من أفضل مدراء التصوير في العالم (فيتوريو ستورارو). بالإمكان أن نعطي هذا الفيلم أسماء عدة لسحره وجماله, ممكن أن نسميه مرايا, إذ أن واحداً من أبطال هذا الفيلم هو المرايا وكيف وظبها ساورا بشكل ساحر حتى لتخشى ظهور الكاميرا في أحد مشاهد الفيلم, الجدران كلها مرايا, تسأل نفسك أين الكاميرا إذن وأين وضع الضوء؟ يأخذك سحر الأجساد وتنسى هذه الاسئلة، “لقد أردت لفيلمي هذا أن يكون بسيطاً لأن الأفلام الموسيقية يجب أن تكون بسيطة”. نحن نتفق على أنه فيلم بسيط, لكنه ليس فقط مجموعة من الأجساد تضرب الأرض بقوة, هناك أرواح ملتهبة تحلق عالياً في فضاء الأرجنتين, فضاء العالم أجمع, العقل يتحرك لا الأجساد والأقدام. الحكاية التي يرويها لنا المخرج تدور حول فنان يعيش أزمة عاطفية (ربما هو ساورا نفسه) بعد أن هجرته زوجته, يتوسل إليها أن تظل معه لكنها ترفض ذلك, ولكي ينسى محنته والعذاب الذي يخلخل معنى وجوده عليه أن يغوص في لجّة العمل، في لجّة التحليق, الرقص هو أحد أدوات التطهير, الخلاص, يقرر أن يصنع فيلماً عن رقصة التانغو. في أحد النوادي الليلية يقابل شخصاً مثيراً للشبهات وذا نفوذ كبير وسط أجواء الليل, الليل الأحمر, يطلب منه أن يعيره الفتاة الممشوقة الساحرة التي تعيش معه للقيام بإنجاز الفيلم, وبلمحة يجد نفسه مشتبكاً بعلاقة حب مع هذا الجمال الآسر والروح الطائرة، ما يجعل حياتها في خطر دائم. وهكذا يدخل الفيلم في الفيلم كما في (كارمن) أيضاً حيث يحقق ساورا واحداً من أفضل مشاهد الفيلم حينما يجعل القوى الشريرة تطيح بالجمال والعفوية واستغلال التوازن بين أن تكون تابعاً ومتبوعاً. الحلم هو مايحققه المخرج في حياة العاشق والمعشوقة (هذا المشهد أعادني الى أيام فرانكو)، لقد وجهت للمخرج عدة تهديدات بأن عليه أن يحذف المشهد الحلم، لكنه رفض ذلك بشكل قاطع. (تانكو) ليس فقط استعراضاً نهائياً وضع فيه ساورا كل طاقته واستطاع أن يجمع فيه الرؤية السياسية والجمالية والسينمائة في آن, إنه زخات برد ثلج يتناثر في الأجواء مع حركة قلَّ نظيرها للأجساد, إنه يعيدنا الى العام 1982 حينما قدم لنا تلك الساحرة التي أغوت بجمال جسدها وحركته الرشيقة لتنتهي في أحضان ذلك المدرب الذي أحبها بجنون, طعنة واحدة كافية لقبلة تدوم حتى النهاية, هنا أيضاً في (تانكو) قدم لنا موهبة لاحد لطاقتها وانفعالها وجسدها الباهر(مايا ماسترو). يقول ساورا: “أردت أن أختار لفيلمي فتاة يقع في حبها كل من يراها”، وهذا ماحدث فعلاً, لقد شغفنا، نحن النظّارة، بتلك الساحرة وهي تتحرك في فلك الضوء والتانغو والعشق.
أخيراً لم يبق لدينا إلا أن نتساءل بعد أن ننتهي من هذه المتعة البصرية الرائعة: هل تحدث ساورا عن تجربته الشخصية في هذا التانغو الرائع؟ ربما، فلقد عانى شخصياً من هزة عاطفية قبل أن ينجز هذا الفيلم بفترة قصيرة, لقد أراد أن يعبّرعن مأساته الداخلية رقصاً وغناءً وموسيقى. مهما كانت الظروف التي دفعته لإنجاز هذه التحفة البصرية فإنه يعد واحداً من أفضل الأفلام التي أنجزها كارلوس ساورا في حياته المهنية بعد فيلمه الأخاذ (كارمن).