سعد محمد رحيم:الثقافة حرب ضدّ الشيطان

محمد الكروي/

دخلت رواية (مقتل بائع كتب) للروائي سعد محمد رحيم القائمة القصيرة لجائزة البوكر التي أعلن عنها مؤخراً. اشتملت القائمة على ست روايات هي: “السبيليات” للكويتي إسماعيل فهد، و”زرايب العبيد” للّيبية نجوى بن شتوان، و”أولاد الغيتو- اسمي آدم” للّبناني إلياس خوري، ورواية “مقتل بائع الكتب” لسعد رحيم من العراق، و”في غرفة العنكبوت” لمحمد عبد النبي من مصر، وأخيرا السعودي محمد علوان في روايته “موت صغير”.

وُلد الكاتب “سعد محمد رحيم” في جلولاء عام 1957 لكنه ترعرع في السعدية وهما مدينتان متعانقتان بكلّ شيء في نسيجهما الاجتماعي والانثروبولوجي والجغرافي, غير أنهما ندّان لدودان في المباريات الرياضية، وادّعاءات الأصل والفرع، وفي المماحكات الساخرة بين الساكنين هنا، والساكنين هناك. فجلولاء لايتذكر منها سوى منظر قطة بيضاء تحت السرير المنصوب في باحة البيت وهو يحبو ويقترب منها، ويتذكر ابن عمه يسوق دراجته ذات الثلاث عجلات حول شجرة السدر وسط الباحة, وهو يجري خلفه صائحاً بفرح. وكان أبوه قد تزوج وهو لمّا يزل شاباً صغيراً، غير أنه لم يحظ بولد إلا مع الزوجة الثانية، بعد ذلك بأكثر من عشر سنين. وكان سعد ابنه البكر. أول يوم في المدرسة ورائحة الكتب الجديدة بزهوِ ألوانها، وصوت المعلم يطلق البلبل الفتّان حراً في عتمة البساتين الشفيفة، ويرسم فوق سبورة طفولته داراً ظل يرغب بسكناها حتى الساعة. وفي باحة البيت يثيره أزيز الزنابير المهتاجة فوق أكوام تمر الزهدي تصنع منه أمه دبساً فواحاً.

لاعب أم روائيّ؟

يتضرّج الأفق بحمرة غامضة عند الغسق، وفي الليل يختلط فحيح الريح بعواء بنات آوى الجائعة، فتحرره أمه من هواجسه بحكاياتها العجيبة. يصطف في الساحة الصغيرة مع الطلاب مرتجفين، ويطلب منهم المدير الأستاذ «صبحي» أن يضربوا رُكبهم بأكفهم المتجمدة ضربات سريعة متتابعة وهم يتقافزون كالقرَدة. ولابدّ من التحدّث عن ولَعَين تقاسما سنوات طفولته ومراهقته؛ الولع بالقصص والكتابة، والولع بكرة القدم.. وربما حلم ، آنذاك، باللعب في المنتخب الوطني. في الثالث المتوسط تغلّب عنده هوس الكتابة والأدب على حلمه في أن يكون لاعباً؛ واكتشف استحالة أن يكون لاعباً جيداً وأديباً له بصمته واسمه في الوقت نفسه. وبنصيحة من صديق ترك قراءة القصص البوليسية وراح يقرأ «من مكتبة بيت خالته» كتب توفيق الحكيم وطه حسين وعباس محمود العقاد، ومن ثم روايات نجيب محفوظ، ومكسيم غوركي، ومارغريت ميتشل، وفيكتور هيجو.

التأثير الأول

في هذا الوقت أيضاً جعلته مجموعة «بيت سيئ السمعة» لنجيب محفوظ يقع في حب القصة القصيرة. غير أن تورطه اللذيذ في عالم الأدب والكتابة لن يكتمل إلاّ مع غوايات ثلاث صنعها ثلاثة مدرسين له في المرحلة المتوسطة، في ثانوية السعدية للبنين؛ «الأستاذ الشاعر محمد حسين آل ياسين، والأستاذ عبد الرزاق، والأستاذ عبد علي». تعلم من الأول معنى اقتصاد اللغة، ومن الثاني إمكانية تخطي الحدود، ومن الثالث فضائل الخيال.

ولادة كاتب

بعد اهتمامه بالأدب الذي بدأ منذ المرحلة المتوسطة، نشر “سعد محمد رحيم” أول نص في جريدة “المزمار” الخاصة بالأولاد وهو في الثالث المتوسط.. ثم نشر في بعض الصحف والمجلات المحلية منها الإذاعة والتلفزيون. أما أول نص قصصي فنشره في العام 1980 في ملحق جريدة الثورة الثقافي بعنوان “الدفء”. وفي العام 1983 نشر أول قصة فيها شروط القصة الناضجة بعنوان (غبار وأصوات) في مجلة الطليعة الأدبية. كان قد تخرج قبلها عام 1976 من ثانوية السعدية ليلتحق بكلية الإدارة والاقتصاد في الجامعة المستنصرية ويحصل على البكلوريوس عام 1980.

أنف المثقف

يعتقد أن كثيراً من مثقفينا ما زالوا يتناقرون مثل ديكة عجائز في قفص ضيق، متوهمين أنهم إنما يصنعون التاريخ. إن الذات المثقفة العراقية والعربية ،ولا يستثني نفسه، بحاجة إلى نقد صادم».
ويرى أن «كل قضية تخص الإنسان وحريته وكرامته ومستقبله ومصيره هي من شأن المثقف، ووظيفته». وفي أحدث مؤلفاته «المثقف الذي يدسُّ أنفه»، يجب أن يكون المثقف في واقعنا المتشظي اليوم «فاعلاً اجتماعياً»، داعياً في السياق ذاته إلى مراجعات شاملة لذواتنا المثقفة وإعادة النظر بأفكارنا وقناعاتنا ومنجزنا، ويشعر أن مهمة المثقف قد تغيّرت منذ انتهاء الحرب الباردة ، وتأكد ذلك عربياً منذ ما سمي بثورات الربيع العربي، لأن تبدّلاً محتماً أصاب موقع المثقف ومن ثم وظيفته الآن، وبذا تغيّرت تبعاً لذلك ،أو هكذا يجب أن يكون عليه الأمر، طرقه وتقنياته وأساليبه ولغته وحتى فحوى خطابه إلى حدّ بعيد.

معركة ضدّ الشيطان

يقول إننا في العالم العربي ضحايا فاشيّات متآزرة ومتصارعة. فاشيّات رثّة تتقنع بالدّين تارة وبالوطنية الزائفة تارة وبالموروث تارة أخرى، تضيق ذرعاً بالحرية، ولا ترى نفسها إلا باستعباد الآخرين وإخضاعهم واستثمارهم.

في هذا الخضم المأساوي كيف لنا أن نوفر مساحة حرية كافية ننتصر بها وفيها لثقافة الحياة؟ تلك هي اللعبة الخطرة التي على الكتّاب العرب خوضها ضد الشيطان. ولست أدري إن كان سعد رحيم شخصياً قد كسب الرهان أم لا، أو إن كان أيّ من الكتّاب العرب قد كسبها؟!