
الانحراف الديمقراطي
محمد عبد الجبار الشبوط
أنا، (ولا أقول: العياذ بالله من أنا!)، من القائلين إن النظام السياسي في العراق انحرف عن المسار الديمقراطي الذي رسمه الدستور. فالدستور نص على توصيف النظام السياسي بأنه نظام ديمقراطي برلماني (نيابي)، ونص في العديد من مواده على ما يقتضيه هذا الوصف من اعتبار الشعب مصدر السلطات، والانتخابات الدورية، وغير ذلك.
لكن النظام السياسي آخذ بالانحراف التدريجي عن المسار الديمقراطي، وأخذت الزاوية المنفرجة تكبر شيئاً فشيئاً، حتى أصبح الاستمرار على الانحراف أسهل من العودة إلى نقطة الانطلاق الديمقراطية، آخذاً بالمعادلة التي ذكرها شكسبير على لسان مكبث في المسرحية الشهيرة.
اليوم، وبعد نحو ربع قرن من انطلاق العملية السياسية “الديمقراطية”، برعاية أميركية، أزعم أن هذه العملية أضحت بعيدة عن الديمقراطية أكثر من أي وقت مضى. ولا نحتاج إلى الذكاء الاصطناعي لكي يعدد لنا مظاهر الانحراف السياسي عن الديمقراطية، لأنها أوضح من الحاجة إلى ذلك.
أولاً، جرى بناء الدولة على أساس المكونات، وليس على أساس المواطنة، وجرى تقاسم السلطة على أساس المحاصصة العرقية والطائفية، ثم الحزبية، وفقدت المؤسسات الدستورية، بخاصة البرلمان، قيمتها الفعلية، كما فقدت الانتخابات دورها الفعلي في صياغة مخرجاتها، وتحولت إلى عملية روتينية شكلية. والأخطر من ذلك تم إجراء خلطة غير إبداعية بين الديمقراطية العددية والديمقراطية التوافقية (المصطلح يعود إلى ليبهارت). وكنت أطلقت على هذه الانحرافات المصطلح الذي استخدمه جان جاك روسو، وهو “عيوب التأسيس”. وكل هذه الانحرافات أفضت بالنتيجة إلى ولادة نظام الأوتوقراطية الانتخابية، الذي يعني تحكم قلة من الرجال (ليسوا بالضرورة منتخبين) في الدولة والحكم والاقتصاد.. الخ. وهذا هو الوصف العلمي الدقيق للنظام السياسي الحالي في العراق.
بالتأكيد هناك أسباب كثيرة ذاتية وموضوعية لهذا الانحراف الديمقراطي، يأتي في رأس قائمتها عدم إيمان، وعدم فهم، الذين تمكنوا من الإمساك بأزمة الدولة بجوهر النظام الديمقراطي. ولهذا فأنا لا أدعو إلى إسقاط النظام السياسي، لأن وصفه الديموقراطي مقبول عندي، لكني أدعو إلى استبدال النخبة السياسية غير الديمقراطية، بأخرى ديمقراطية، عبر انتخابات حرة نزيهة شفافة تخوضها القوى المؤمنة بالديمقراطية والحداثة، موحدةً وفق قانون للانتخابات الفردية.