العروس

5

جمعة اللامي

“لقد قرأتها على الجنّ
فكانوا أحسن مردوداً منكم”
(الرسول الأكرم)

في مقتبل صباي، كنت أنتظر وصول أحد أرحامي إلى منزلنا لمناسبة شهر محرم الحرام بلهفة وشوق. وكان، رحمه الله، حافظاً للقرآن الكريم على طريقة حفّاظ تلك الأيام، فهو يجيد قراءة المصحف الشريف كاملاً، ولا يجيد كتابة جملة واحدة في جريدة سيارة. أقول: كنت أنتظر مجيئه إلى دارتنا بمحلة الماجدية في مدينة العمارة، حيث أستمع إليه وهو يقرأ سورة الرحمن، وسورة يوسف، وسورة مريم، في كل فرض بعد فاتحة كلام الله: أتحدث هنا عن سورة الرحمن.
لقد حفظتها عن ظهر قلب، وكنت أفتخر بذلك أمام ذلك الجد الورع القادم إلينا من ريف ميسان الشرقي. ثم إني، بعد ذلك، حفظت عن ظهر قلب أغلب سور المصحف الشريف وأنا في الصف السادس الابتدائي. وعندما كبرت، وأخذت أختلف إلى دارات لا يُقرأ فيها القرآن، لاسيما بعد أن ينفضّ سامر تلك الدارات، أبقى وحيداً أجالس مائدتي، وأبدأ أقرأ: “الرحمن” “علّم القرآن”.
وإلى جانب هذه السورة المبجلة، وسور كريمة أخرى، هناك قراءات لي بصوتي أنا في نصوص مثل “مقتل أبي مخنف” و “نهج البلاغة” و “الصحيفة السجادية” و “رفيف أجنحة جبرائيل” و “حكاية بئر ذات العلم”، وأدعية إسلامية، أوصي أن يستمع إليها من يرغب في ذلك، ولكن بعد موتي ومغادرتي هذه الدنيا الفانية، وألا يتم إتلاف أي قسم منها، فتلك حالي في تلك الأيام، وهي مسؤوليتي أمام الله عز وجل.
والذي أُدوّنه هنا هو استطراد أيضاً، ربما يجد فيه من يروم معرفة جريان كلمات الله في دمائنا، نحن الذين فُطرنا على مناقب الجنوب، لأن ذلك دفع بي إلى أن أتابع أكثر من تفسير لتلك السورة الكريمة، وأكون ملحاحاً على بعض أهل العقل، حين يأتي حديث بصددها. كيف لا وهي عروس القرآن؟
وشاء الله سبحانه وتعالى أن يرزقني بمعرفة أحد الأجلاء من علماء بغداد، الذي كان سبيلي إلى معرفة حيوات عدد ممّن يُعرفون بالمتألهين في طبقات المفكرين الإسلاميين، بعد أن سمعت منه كلاماً عجيباً في شأن سورة الرحمن، منقولاً عن قيس بن عاصم المنقري التميمي، الحليم العربي المشهور، لمّا سمع مُسلماً غضّاً يقرأ سورة الرحمن، أنه قال: “هذا ليس بكلام بشر”.
وأسلم مباشرة.
الحمد لله الذي جعل من البيان سحرا.
واليوم أيضاً، أعيطُ، كما كنت أصرخ وحيداً في تلك الليالي: يا رحمن.. الغوث، الغوث!