د. أحمد الزبيدي: صراع الشعر والرواية.. نزاع القبيلة والمدينة!

حوار/ زياد جسام
ناقد وأستاذ أكاديمي، انشغل بين تعليم الأجيال وتفكيك مشكلات الثقافة وأسرار الكتب، بنظرة المتخصص الذي يقول كلمته الصادقة، ويمضي دون مجاملات. أصدر ثلاثة كتب نقدية عن التكوين والشعر ومسارات المعرفة، وكتب في العديد من الصحف المحلية والعربية، كما شغل منصب رئيس تحرير مجلة (الأديب العراقي) الصادرة عن الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق لست سنوات.
إنه الدكتور أحمد الزبيدي، ضيف “الشبكة العراقية”، عبر حوار سلطنا فيه الضوء على تجربته الإبداعية، وانشغالاته الثقافية، حوار ابتدأناه بسؤال:
* بوصفك ناقدًا متخصّصًا في النقد الأدبي، وأستاذًا أكاديميًّا؛ هل ترى أن الجامعات العراقية يمكن لها أن تُخرّج نُقادًا حقيقيين، يُعتمد عليهم، في تقييم الشعر أو الرواية؟
– إن مصطلح (الأكاديمية)، وفق دلالته في المعجم النقدي الغربي، يعني، مجتمعاً يحوي علماء وأدباء، يقومون باجتماعات منتظمة. واللفظ يوناني الأصل (أكاديميا) ويعني المكان، الذي كان يُدرّس فيه أفلاطون الفلسفة. ولا أريد أن أتحدث عن المنبر التنويري المنطلق من فوّهة الجامعة، ولكن لك أن تسأل عمّا تبقى من دلالة المصطلح ومفهومه، في ظل هذا الخراب الذي نعيشه اليوم!! وبالتأكيد لا يمكن أن أغضّ الطرف عن الأجيال النقدية المهمة، التي خرجت من عباءة الجامعات، وهي أكبر من أن أذكّر بها أو أحصيها، غير أنني أعني النسق الأكاديمي الحالي الخالي من القيم المؤسساتية والمعرفية المنتظمة، التي يمكن أن تكون بيئة ملائمة للنتاج الفكري الحر.. نعم هناك دراسات أكاديمية في غاية الأهمية، ونقاد يمارسون عملهم الأكاديمي بحرفية عالية ومهنية صادقة، إلّا أنك لو سألتني هل يشكلون طبقة (أنتلجنسيا أكاديمية)، أعني، نخبة مثقفة أكاديمية؟ سأصمت طويلًا يا صديقي.
* هل أخذ الدرس الفلسفي حقه في المناهج الأكاديمية لطلبة الجامعات في الوقت الحالي؟
– سؤالك المهم ذكرني بمقولة لإخوان الصفا، لا أدري إن كنت تسمح لي بقولها: “الشريعة طب المرضى، والفلسفة طب الأصحّاء”، كن واثقًا أن العقل الفلسفي هو أكثر ما يخشاه الخطاب المتطرف، أو النظام القائم على التطرف الديني. بالمناسبة أبسط تعريف للفلسفة هي المعرفة العقلية، ولا شك في أن المعرفة العقلية لا تؤمن بحقيقة واحدة، فهي دائمّا ما تميل إلى حقائق متعددة بوصفها مركبة، في حين أن الفكر الديني والقبلي قائمان على وحدة الحقيقة! إذن كيف تريد للخطاب الفلسفي أن ينمو وصاحب العقل الحر أن يكون مؤتمناً على الأكاديمية؟ لعلك ستتعجب إذا قلت لك أن إحدى مراحل أقسام الفلسفة في الجامعات العراقية فيها طالبان فقط! الموضوع طويل في نقاشه، ومن ضمن الأسباب السلبية هي مسألة (التعيين)، فمن يدرس الفلسفة، أين سيُعين ليضمن راتبًا شهريًا؟ يقول (فونتنيل): “يقضي الفلاسفة الحقيقيون حياتهم وهم لا يصدقون بما يرونه.” إذن الفلسفة تشجع على المعارضة، وهي نسق الشك في اليقين، والدين نسق الإيمان المطلق! وهل الدين شيء آخر غير اليقين؟!
* يرى بعض النقاد أن الرواية تسيّدت المشهد الثقافي العراقي الآن، بعد أن كان الشعر هو الأول، برايك، لماذا تغيرت هذه المعادلة؟
– أعتقد أن الأمر بحاجة إلى تأمل وتفكّر، يفوق المعيار الكمي، حول أيهما أكثر نتاجًا؟ ويتعدى الرطانة النقدية، التي تتخذ من معيار الجوائز العربية، دليلاً على تسيّد نوع أدبي على آخر. أقول إن التفكّر يغري العقل بالعودة إلى المرجعيات الأساسية المولّدة للتحول، وهي لا يمكن أن تنفك عن مفهوم السلطة بوصفها القوة المهيمنة، التي تفرض خطابها بشرعيتها، ومن ثم فالشعر العربي – عمره – ما (خذل!) السلطة، بل إن الشعر العربي، على مدى غطاء تاريخه، متصالح مع السلطة، يسوّغها بجمال لغته، ولهذا قالت العرب (أعذب الشعر أكذبه!)، وعندما تضعف السلطة الفردية تضعف اللغة الشعرية، ومن هنا فإن غياب المركزية السلطوية عن المشهد العراقي، أدى إلى غياب المركزية الشعرية في الثقافة. ومما هو جدير بالتأمل أيضًا أن المقصود بالسلطة ليس الحاكم فقط أو النظام السياسي، بل المقصود فلسفة السلطة، يقول (دي نونالد): “السلطة المطلقة سلطة مستقلة عن الأشخاص الذين تمارس عليهم، والسلطة المستبدة سلطة مستقلة عن القوانين التي تمارس بمقتضاها.” وما رأيك لو رجعنا إلى الوراء، حيث عام 1990، يوم احتل العراق الكويت، ألا تتفق معي بأن هذا الاحتلال قد أحرج الشعر؟ وبيّن أكذوبة مفهوم الأمة العربية، الذي سهر الشعراء عليه ليالي طوالاً وسنين تلو السنين، وإذا به ينهار وينفضح الكذب الذي سطره الشعر في عقول الجماهير العربية؟ من هذه النقطة، أعتقد بدأت الرواية تظهر كبديل ثقافي لصناعة مفهوم الأمة، صناعة سردية.. الشعر بالأساس بُني على أنه (سلطة!)، جاءت من رحم الدين والقبيلة، والرواية بنيت على أنها (معارضة)، وجاءت من معطف المدينة، ولك أن تتخيل أن الصراع ما بين الشعر والرواية، هو صراع ما بين القبيلة والمدينة!
* هل تعتقد أن المناخ الذي مرّ به العراق بعد سقوط الديكتاتورية عام 2003، أثر في اشتغالات المبدعين العراقين في الرواية أو غيرها ؟
– لا شك في ذلك، فقد حرص الأدب العراقي في مختلف أشكاله وأنواعه، بل الفن بمختلف أجناسه، على تجسيد الواقع المؤلم وتمثل الحياة الاجتماعية، والدينية، والسياسية، والثقافية، حتى أن أهم الروايات العراقية الفائزة بالجوائز العربية والمحلية، بل المنافسة على العالمية، أعمال كانت تتحدث عن مأساة الواقع العراقي وسطوة الدكتاتورية وضعف القيم الأخلاقية، خذ مثلا عمل أزهر جرجيس (النوم في حدائق الكرز)، أو أحمد سعداوي وروايته (فرانكشتاين في بغداد)، أو أنعام كججي في (طشاري)، وغيرها الكثير الكثير من مختلف الأشكال الأدبية.. نعم بكل ثقة أقول نجح الأديب العراقي في رصد الأنياب المنغرسة في الجسد العراقي؟
* يدور بين المثقفين حديث حول الكتابات النقدية التي تنشر في بعض الصحف أو المواقع الإلكترونية، عادين إياها أقرب إلى (المجاملات) منها إلى مفهوم النقد، ما رأيك؟
– يبدو أن هذه (المنابر) المجانية قد سهّلت بروز (النقد المجاني)، القائم على الإنشائية والعشوائية والانطباعية الفارغة، والمجاملات ذات النسق القائم على (الفضل) والإحسان إلى (الصديق)، وليس (نصّ الصديق).. من أسوأ مراحل النقد العراقي الآن، هو ذلك النقد المجاني، المنبثق من المواقع المجانية.