همسة وائل
في السنوات الأخيرة، أصبحت الشوارع الثقافية في العراق واحدة من أبرز الظواهر التي تعكس نهضة فكرية واجتماعية متجددة. فمن شارع المتنبي في بغداد، الذي يُعد القلب النابض للثقافة العراقية، إلى شارع الفراهيدي في البصرة وشارع النجيفي في الموصل وسوق الحويش في النجف، باتت هذه الأماكن ملتقيات للمثقفين والكُتاب والفنانين، حيث تتلاقح الأفكار وتُناقش القضايا الثقافية والفكرية.
مع ازدياد شعبية هذه الشوارع، برز تساؤل مهم: هل ما تزال هذه الفضاءات جسورًا للمعرفة ونشر الوعي، أم أنها تحولت إلى مجرد أماكن للترفيه والتجمعات الاجتماعية؟ وهل يمكنها الحفاظ على دورها الثقافي، وسط التحديات الاقتصادية والتجارية المتزايدة؟
هذا الموضوع يستكشف أهمية الشوارع الثقافية في العراق، دورها في نشر المعرفة، وكذلك التحديات التي تواجهها في ظل التحولات المجتمعية.
(المتنبي) شارع الثقافة
تُعرف بغداد بـ (شارع المتنبي)، العلامة الثقافية الأشهر على المستوى المحلي والعربي، شارع بطولِ كيلو مترٍ واحد، يُطلّ على نهر دجلة، فتمثال المتنبي الذي يقف رافعاً يده وكأنه يردّد الأبيات التي كُتبت على قاعدته :”أنا الذي نَظَرَ الأعمى إلى أدبي.. وأُسْمعَت كلماتي مَنْ بِهِ صَمَمُ”.
بقي الشارع عبرَ تاريخه، بوصلة الكُتّاب والقرّاء والفنانين وعلامتهم الثقافية الأبرز، وعادة ما يقترن دخول الفرد إلى المتنبي بصفة (المثقف)، وعلى الرغم من تأويلات هذه الصفة وأبعادها عند العامّة، لكن شهرة الشارعِ وذيوعِ صيته هما ما يجعلان تلك الصفة ملاصقة لمن يرتاده.
مخطوطات (الحويش)
تعود تسمية (الحويش)، إلى تصغير كلمة (حوش)، وتعني باحة البيت. وهو سوق يقع في قلب مدينة النجف، يعود تاريخه الثقافي إلى نحو 700 سنة، ما يعدّ إرثاً ثقافياً وهوية للمدينة، التي تشتهر بكونها أحد أهم المراكز الإسلامية في العالم.
يجاور السوق، على بعد أمتار، مرقد الإمام علي (ع)، إلى جانب العديد من المساجد التراثية، ما جعل من السوق محطّ إقبال كبيرٍ لطلبة العلوم الدينية والتاريخية، وشتى فروع المعرفة.
يعد السوق ملاذًا لكل من يبحث عن عناوين مفقودة أو نادرة، حيث يمكن لرواده العثور على مجموعة واسعة ومتنوعة من الكتب، تتراوح بين الأدب والفلسفة والتأريخ، بعيدًا عن أية رقابة أو قيود. هذا التنوع يجعل السوق مركزًا ثقافيًا مميزًا، يتيح للباحثين والمثقفين الوصول إلى مصادر معرفية قد لا تكون متاحة في أماكن أخرى.
مكتبات (النجيفي)
شارع النجيفي يُعد من أبرز الشوارع الثقافية في مدينة الموصل، يضم المكتبات التي تبيع الكتب القديمة والحديثة، بالإضافة إلى مستلزمات التعليم. يعود تأسيسه إلى الخمسينيات من القرن الماضي، وتوسعت المكتبات فيه بشكل كبير في السنوات التالية، ويشتهر أيضًا بموقعه بجوار أنقاض المدينة، حيث جرى عام 1959 هدم جزءٍ كبيرٍ منه وتحويله إلى عمارات تجارية، توسّعت المكتبات خلال تلك الفترة واشتهرت مجموعة منها، مثل مكتبة الجزائر، والنبراس العراقية، والشباب، والخيام، والعربية، والمعارف، والإمام، والغانم، والمكتبة العصرية، وغيرها.
أكشاك (الفراهيدي)
مشروع ثقافي يجسد جهود مجموعة من أصحاب المكتبات والفنانين، وأصبح وجهة ثقافية تضم العروض الفنية والمسرحية، وكذلك سوقًا للكتب وملتقى للكتاب. جرى اختيار اسم (الفراهيدي) تكريمًا للعالم اللغوي البصري الشهير، الخليل بن أحمد الفراهيدي. وعلى الرغم من أن النشاط الثقافي في هذا الشارع كان يقتصر على عرض الكتب بشكل غير مناسب على الأرصفة بسبب ضيق المكان، إلا أنه استمر في جذب الزوار طوال أيام الجمع.
في أواخر عام 2022، أدخلت تحسينات كبيرة على الشارع، حيث جرى بناء أكشاك خشبية على شكل أكواخ مزخرفة تعكس التراث البصري، لتعرض الكتب بشكل أفضل وتحافظ عليها بعيدًا عن الرصيف. بالإضافة إلى ذلك، جرى تخصيص ساحة جانبية لاحتضان الجلسات الأدبية والمعارض الفنية، ما أضاف طابعًا خاصًا لهذا المكان.
مع بداية عام 2025، أعلن عن مشروع لتوسعة الشارع بشكل طولي وزيادة عدد الأكشاك الخشبية، لتوفير مساحة أكبر لعرض الكتب ولإفساح المجال لمزيد من الأنشطة الثقافية، ما يعزز من مكانة الشارع كمعلَم ثقافي مهم في البصرة.
تمويل الشوارع
تواجه الشوارع الثقافية تحديات عدة، مثل ضعف التمويل والدعم المالي المحدود، إذ إن الشوارع الثقافية في العراق غالبًا ما عانت من نقص التمويل الكافي لتوسيع الأنشطة الثقافية، وتنظيم الفعاليات. وأيضاً البنية التحتية غير الكافية، إذ يفتقر العديد من الشوارع الثقافية في العراق إلى البنية التحتية المناسبة، مثل الأماكن المهيأة للعروض الثقافية أو المعارض الفنية، ما يحد من قدرتها على استقبال الجمهور بشكل مناسب. إضافة للوعي الثقافي المحدود، فبالرغم من وجود الشغف الثقافي، إلا أن بعض المهتمين في المجتمع العراقي قد لا يكون لديهم الوعي الكافي بأهمية هذه الشوارع الثقافية أو قد يفضلون الأنشطة الترفيهية الأخرى.