بلغني أيها الأمير السعيد

48

د. حسن عبد راضي /

الأمراء يكونون سعداء في العادة، وتُلبى رغباتهم مهما كانت، ولذلك أراد أمير سعيد (وليس شهيداً سعيداً) أن يسمعَ أغربَ القصص التي حدثت في تاريخ الأمم والشعوب قبله، ولم يعرف أحدٌ من حاشيته وندمانه أكان يريد أن يتعظ بتلك القصص أم أراد أن يتسلى ويزجي وقته السعيد، فبحثوا له عن شهرزادة لتسعف طلبه، فلما عثروا بها، اشترطت عليهم أن تقص عليه ما طاب لها على ألا يقاطعها ولا يُقطّعها، فوافق، فشرعت تروي له في الليلة الأولى قائلة:
بلغني أيها الأمير السعيد أن بلداً من بلاد الله الواسعة تنكّبتْ طريقَ الحق اللاحب، ومال الولاة فيها والحكام إلى الظلم والفساد، فعمَّ الخرابُ وانتشرتْ الفاقة وكثر المتسولون في الطرق العامة وترك الصِبية مكاتبَ الدرس وغاب الأمنُ وفَشا الوباءُ، وما ذلك إلا لأنهم سمعوا قول الله تعالى في العدل فخالفوه، وقول الرسول الأكرم (ص) في المساواة بين الناس وفي إعمام القانون على الجميع حين قال: (يا أيها الناس.. إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرقَ فيهم الشريفُ تركوه وإذا سرقَ فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحدّ( فعملوا بخلافه، ليس هذا فحسب يا مولاي الأمير، بل بلغ الأمر بتلك البلاد أنها صارت تحاكم الشريفَ حتى إذا لم يسرق، حتى أن مديراً إحدى مدارس التعليم المهني في بغداد تبرع بشيء من ماله الخاص لإعمار المدرسة التي يديرها وتزويدها بالإضاءة وتعديل أرضياتها وحدائقها الخربة وطلاء جدرانها حتى أصبحت مدرسة لائقة للدراسة، ورأى الطلاب والمعلمون ذلك واستحسنوه، كما أن المدير قَبِلَ التبرعات من الأهالي شرط أن تكون تبرعات عينية، كأن يتبرعَ أحدُهم بأصيص ورد أو بوعاء مختوم من الطلاء (صبغ) أو غير ذلك، ولم يقبلْ تبرعاتٍ بِبِدَر الدراهم والدنانير الذهبية، فإذا بتلك البلاد تحاكمُ الرجل وتحيله إلى التحقيق بتهمة الشك في مصدر المال من أين جاء؟!!
ولعمري يا مولاي لقد عجبتُ كما عجبَ الناس لتلك البلد التي تسكتُ شرطتُها وقضاؤها على اللصوص الذين سرقوا أموالاً من عملة مسكوكة على الورق يقال لها الدولار تَعدلُ جبالاً من الذهب الإبريز، وتلك الأموال كانت قد خُصصت لإعمار المدارس، فلا هي أُعمرت ولا المال أعيد إلى بيت المال، ولم يُحاسَب سارقٌ ولا حوكمَ متواطئٌ ولا أقرّ بذنبه علّاس.
ألا وإني أيها الأمير السعيد قد رأيت في تلك البلد ما لم تره عين ولا سمعت به أذنٌ ولا خطر ببال إنسان، ….وهنا قاطعها الأمير قائلاً: إنك “تبسمرينني” أيتها الملعونة، كأنك تقصدين بلدي التي أحكمُها، وأمَرَ بها فحُذفتْ من التاريخ والجغرافيا والأدب، وانقطعت الحكاية في ليلتها الأولى.