ظاهرة الاعتداء على المعلمين بين صراع التعليمات وثقافة المجتمع

179

علي غني /

كنا إذا مر المدرس من طريق نسلكه نهرب منه، لا خوفاً، وإنما خجلاً واحتراماً، إذ كان قدوة وحلماً لنا، ولا نعترض في الصف على توجيه أو واجب يكلفنا به. هكذا كان الذي كاد أن يكون (رسولا)، يقودنا إلى المستقل الذي نحلم به. لكن زمن العولمة والموبايل ومواقع التواصل الاجتماعي قلبت الوضع إلى التشكيك بمعلومة المدرس والتمرد على تعليماته، لتختم منجزاتنا بالاعتداء عليه، فما الذي دفع الطلبة وأولياء أمورهم إلى هذا الوضع المأساوي؟
دورات تثقيفية
استغربت كثيراً حينما أخبرتني الست الفاضلة (آمنة قاسم) مديرة (ثانوية السلام للمتميزات) أن الاعتداء إذا ما وقع على المدرسات في مدارس البنات من قبل الطالبة أو ولي أمرها، يكون أشد من الاعتداء على المدرسين في مدارس البنين، إذ أن الطالبة هنا (بنت)، وستصنع لها شتى الأعذار.
وأضافت الست آمنة: “بعض القرارات غير المدروسة، التي تعطي الحق الكامل للطلبة وأولياء أمورهم، زادت من تعقيد الموقف التربوي، وأسهمت في خلق الأعذار للاعتداءات على الهيئات التعليمية والتدريسية، لكن الأسلوب الحضاري للإدارة والملاكات التدريسية له الدور الكبير في تقليل تلك الاعتداءات.”
وعندما سألت الست آمنة: “إذا أردنا معالجة مثل هكذا موضوع تربوي في غاية الأهمية، فما الذي نفعله؟” قالت: “نحن نحتاج إلى دورات وبرامج توعوية لأولياء الأمور من أجل التعاون المشترك مع الادارات والهيئات التعليمية والتدريسية للمكاشفة في كل الأمور الخاصة بواقع بناتهم أو أولادهم، والابتعاد عن الإساءة اللفظية أو الجسدية التي تقود إلى الاعتداء.”
فئات طارئة
يقول مدير الإشراف الاختصاص في تربية الكرخ الثانية الأستاذ (عبود الكعبي) إنه “يتطلب من المجتمع المتحضر احترام المعلم والمدرس من خلال سن القوانين والتشريعات التي تحترم عمله وشخصيته، لذلك نطالب مجلس النواب أن يشرع قانون حماية المعلم، وتفعيله، لمنع الاعتداءات على الهيئات التعليمية، ولقد تصدينا بشدة لها من خلال توجيه المدير العام للتربية الدكتور الكلابي بتعاون كامل مع الأجهزة الأمنية.”
وتابع أن “مثل هذه الحوادث تقوم بها فئات طارئة ومنبوذة من المجتمع، وفيما يخص الطالب الذي يتجاوز، فإن هناك إجراءات قانونيه من خلال لجنة الانضباط المشكلة داخل المدرسة، وكذلك قرار مجلس المدرسين عند انعقاده، لردع هذه الحالات، وبحسب نوع الاعتداء، فقد تصل العقوبة إلى الفصل أو نقل الطالب، أما فيما يخص اعتداءات أولياء الأمور، فإن هناك الشعبة القانونية داخل المديرية، التي تتولى معالجة مثل هذه الأمور، باتباع الطرق القانونية للدفاع عن المدرسين والمعلمين.”
غرامة وحبس
إلى ذلك، تطرق المحامي (أوس الطائي)، عضو مجلس نقابة المحامين العراقيين، إلى الموقف القانوني في حال تعرض الهيئات التعليمية والتدريسية للاعتداء، موضحاُ أن “الاعتداء على المدرس أو المعلم يعد اعتداء على موظف أثناء واجبه، واستناداً لأحكام المواد 229 و230، تشدد العقوبة بخصوص الاعتداء على الموظف أثناء واجبه، إذ نصت المادة 229 من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 على أن: يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين أو بغرامة لا تزيد على مئتي دينار كل من أهان أو هدد موظفاً، أو أي شخص مكلف بخدمة عامة، أو مجلساً، أو هيئة رسمية، أثناء تأدية واجباتهم أو بسبب ذلك، وتكون العقوبة الحبس أو الغرامة، إذا حصل مع الاعتداء جرح أو أذى. كما أن المواد العقابية في قانون حماية المعلمين والمدرسين رقم (8) لسنة 2018، ووفقاً للمادة 5 من هذا القانون، تعاقب بالحبس 3 سنوات والغرامة 10 ملايين دينار، عن الاعتداء على المعلم أو المدرس، وذات العقوبة تنطبق على الادعاءات العشائرية عليهم.”
رمزية أبوية
ووصف الأستاذ (عدي حاتم العيساوي)، نائب نقيب المعلمين العراقيين، الاعتداء على المؤسسة التربوية وملاكاتها التربوية بأنه جزء من الانهيار الخطير في المنظومة القيمية لمجتمعنا. مضيفاً: “نحن نشهد -مع الأسف- في السنوات الاخيرة الماضية، الكثير من الأفعال التي تؤكد هذا الانهيار، مع أن المعلم يمثل برمزيته الأبوية عنواناً كبيراً وأولياً يوجب على الجميع أن يتعاملوا مع هذا العنوان بخصوصية واحترام، إذ أن هذا التعامل يعد من أهم أسباب الاستقرار المجتمعي.”
يتابع الأستاذ العيساوي: “سعت نقابة المعلمين إلى إيجاد رادع قانوني لإيقاف مثل هذه الظاهرة السلبية، وبالفعل نجحت مع الجهات ذات العلاقة بتشريع قانون حماية المعلم رقم (8) لسنة 2018 تضمن الكثير من المواد القانونية الرادعة، تتمثل بالحبس والغرامة المالية، وجرت متابعة تطبيق هذا القانون وتفعيله في جميع المحاكم المختصة.ضغوط نفسية
من جانبها، أرجعت الدكتورة (إيمان حسن)، الأستاذة المتخصصة في الإرشاد النفسي والتوجيه التربوي في كلية التربية ابن رشد – جامعة بغداد، أسباب الاعتداءات إلى أن الكثير من الطلبة يتعرضون إلى ضغوط نفسية تسبب لهم صراعات داخلية ومشكلات انفعالية، منها الشعور بالإحباط والخوف وعدم الأمان والشعور بالنقص، ولاسيما الطلبة الراسبين، أو الذين تكون درجاتهم خلال العام الدراسي ضعيفة.”