لا ينطبق على غالبية ما نشاهده على المواقع الإلكترونية “”صناعة المحتوى”” عنوان فضفاض غابت معاييره الفنية

297

زياد جسام/
يكاد مصطلح “صناعة المحتوى” يكون جديداً على الأوساط الثقافية والإعلامية، وهو في طبيعة الحال مرتبط بالتكنلوجيا وتطوراتها. وبعد انتشاره أصبح هناك عدد كبير من الأشخاص (مشاهير)، لديهم قنوات على منصات التواصل الاجتماعي.

لكن المفارقة هي أن غالبية هؤلاء أصبحوا اسماء لامعة بسبب محتوى ثقافي أو إبداعي منقول من كتب أو أفلام أو أية أعمال إبداعية أخرى ليست من إنتاجهم.. دون ذكر المصادر الرئيسة..
هل يرى المثقفون أن هذه المسألة تصب في مصلحة الثقافة والمجتمع؟ أم أنها مجرد إعادة إنتاج الثقافة ووضعها في جدول إنتاج تسويقي ينتفع منه أفراد معينون؟ هذا ما ناقشنا به بعض صانعي المحتوى الحقيقي، فكانت ردودهم كالآتي:
هدف تسويقي
وصف الإعلامي (حسين مشكور) ظاهرة صناعة المحتوى بـ “العنوان الفضفاض”، قائلاً: “إن هذا العنوان لا ينطبق على أكثر ما نراه في عالم التواصل الاجتماعي اليوم، إذ إن قسماً كبيراً منه ليس من صناعة من يروجه، إنما هو استنساخ واقتباس من محتوى صنعه آخرون. لكن المشكلة هنا ليست في عائدية المحتوى، فالاقتباس دون ذكر اسم يعد سرقة أدبية -كما يصطلح عليها- لكن الكارثة تكمن في طبيعة معظم المحتوى المتداول بسرعة البرق، الذي يكشف عن حجم التفاهة المتفشية في المجتمع.”
وأضاف: “نشاهد إعجابات بالملايين بمحتوى تافه لا مضمون فيه سوى تعميق حالة التفاهة وترسيخ السطحية في المجتمع، إلى درجة أن المحتوى الجيد بات محل تندّر وازدراء من قبل المتعاطين لوسائل التواصل. والواضح أن خوارزميات هذه المنصات مبرمجة وفق هدف تسويقي يعتمد على نشر التفاهة السطحية، وهو ما يسهم في تجهيل المجتمعات. مثلاً: منصة التك توك الصينية ليست في منأى عن ستراتيجية الصين التي تحاول الزحف على العالم كله، ليس اقتصاديا فقط، فالمحتوى المسموح به في العالم غارق في التفاهة التي ترسخها خوارزميات هذه المنصة في محتواها، لكن قيوده داخل الصين مختلفة تماماً، إذ لا مجال هناك لأي محتوى تافه، بل إن الترويج يجري لمحتوى علمي وذهني واقتصادي موجّه هدفه خلق عقول علمية وصناعية ومالية. باختصار: تجهيل العالم مقابل بناء العقل الصيني ليكون هو الموجّه والقائد للعالم.” واختتم حديثه بأن “صناعة المحتوى التافه باتت سلعة رائجة تشجعها المنصات وينساق خلفها المتداولون فيزدادون جهلاً وسطحية، لينصرفوا عن المحتوى الجيد الذي تحدّ خوارزميات المنصات من انتشاره أيضاً.”
تدوير المواضيع
أما المخرج السينمائي (نزار فدعم) فقال إن “بعضهم يحاولون إعادة نشر بعض المعلومات والمواضيع لغرض كسب متابعين، لكن تدوير المواضيع والمعلومات ينتهي مفعوله سريعاً، لذلك على صناع المحتوى أن يعملوا بشكل حثيث من أجل مضامين وأساليب جديدة تقدم لجمهور الإنترنت من أجل إغناء وإثراء المعرفة الإنسانية.”
وأضاف: “على صانع المحتوى أن يكون صادقاً وملماً بموضوعه، ويحمل رسالة أو هدفاً يحاول نشره بين الجمهور، وأن يحدد الجمهور الذي يتوجه إليه، وأن يكون شكل المحتوى مستوعباً لهذه الرسالة بشكل فني متقدم، مستخدماً كل الأساليب الفنية في عرض هذا المحتوى في ضوء النقاط التالية: 1- تحديد الغاية من المحتوى 2- تحديد الفئة المستفيدة من المحتوى 3- تحديد المحتوى نفسه 4- تحديد الأساليب والوسائل التي من خلالها يتم نشر المحتوى.”
محتوى رقمي
الفنان والناقد (خالد خضير الصالحي) له رأي آخر في هذا الجانب، إذ قال إن “أهم الأفكار التي على الإنترنيت تسمى (المحتوى الرقمي)، وهي قضية كبيرة، إذ غالباً ما ينصب الاهتمام على كفاءة الموقع أو التطبيق على الشبكة، وسرعة أدائه، واتكائه على تمويل كاف، فينصب الاهتمام على الإخراج والتصميم على حساب المحتوى الفكري.”
وعن المتلقي ومدى استجابته قال إن “لكل فئة من المتلقين وسائل مختلفة لإقناعهم، فئة يقنعها أن تتلقى تسجيلات قصيرة لا تسأل عن مصداقية محتواها، وهو ما نجده الآن متمثلاً بطغيان الصور والفيديوهات الطريفة التي تشبع حاجات الجمهور العريض، الذي لم تنل غالبيته تحصيلاً علمياً، بينما تتعقد وسائل إقناع النخبة، إذ تتعدى هذه الوسائل البسيطة إلى الوثائق والمؤلفات والكتب والآراء الفكرية الثقيلة..
إذن نحن محكومون بأهم أسباب النجاح، وهو تطابق المحتوى مع مستوى الفئة المستهدفة، لكن لماذا نحتاج إلى صناعة المحتوى الرقمي؟ إن سوق هذه الفعاليات مفتوحة وتتسع وستبقى مرتبطة بقوة بالفئة المستهدفة..”
دور الجمهور
وتحدثت الشاعرة (سمرقند الجابري) عن هذا الموضوع باعتبارها صاحبة تجربة، فقالت: “بالنسبة لي رأيت في صناعة المحتوى أفقاً جديداً انطلقت منه لاكتشف أبعاداً أخرى في شخصيتي، بل إني قمت بتحديثات على عالمي الصغير الذي بدأ ينمو ويتجدد مع الوقت كشاعرة وفنانة تشكيلية، كما رأيت في صناعة المحتوى باباً جديداً أخضر، وإن كان هناك تفاوت في نوع المحتوى المتقدم من ناحية خدمة المجتمع. وهنا أيضاً يلعب الجمهور دوراً في دعم أو شجب أو إدانة المحتوى غير المناسب، وهنا أيضاً تلعب القوانين الهادفة لحماية المجتمع، التي وضعت بعض المنصات معايير لها، ومنحت حق الإبلاغ عن كل محتوى، وتبويب نوع الإبلاغ، وبعدها يجيء دور الحكومات والفئات المثقفة.”
نجوم الميديا
كما تحدثت (يمام سامي) عن الكثير من التصنيفات المعتمدة (ولو شفاهياً) لـ (نجوم) السوشيال ميديا، منها المؤثر أو (الانفلونسر، والبلوغر) أو (المدوّن) و (الفلوغر) الذي يعتمد فقط فيديو اليوتيوب و(السنابشات) لتدوين اليوميات بدون (كتابة محتوى)، و(الفاشينيستا)، وهذه معروفة، وآخرهم (التيكتوكر).. وكل هؤلاء يدرجون تحت تصنيف صناع محتوى. المثقف يدخل هذه القنوات بشكل أو بآخر، سواء بالكتابة أو التفاعل، إلا ما ندر ممن يعتزلون تقنيات الإنترنت، وهؤلاء يكونون متصوفين ونادراً وجودهم. وبالتالي فإن أي نتاج أدبي على السوشيال ميديا يلقى تفاعلاً من المثقفين وغيرهم من الشباب الجالسين أمام شاشة الموبايل يتلقون أي شيء يظهر أمامهم.. السيئ والجيد. بقيت مسألة التفرقة بين الغث والسمين، الأصلي والقص ولصق، لا يفسرها إلا المثقف الحقيقي القارئ والمتابع، أما المتابع البسيط فممكن خداعة بتلك المنشورات المزيفة التي تدغدغ مشاعره بمنشورات مقتبسة غير مترابطة، الهدف منها الشهرة والانتشار وجمع المتابعين الذين يدرون عليهم استثمارات مادية معنوية، لأن الشهرة الآن تدر أموالاً ومناصب ومنافع أخرى لا يمكن إنكارها.”