ملعب الكشافة مجد غابر على أكتاف واهنة

909

 عبد الجبار العتابي/

كل شيء حوله يعاني البؤس والاهمال، وبدا الملعب العريق منهكاً وهو يحمل على اكتافه تأريخا عمره 85 عاما، وبدلاً من ان يبتهج بمجد سُطر على اديمه، وتاج علق على اسواره، كأول ملعب يشيد في بغداد، واول ساحة رسمية نظامية تحتضن الفعاليات الرياضية، اصيب بالاحباط واستلب الاهمال منه ذلك التاج وتلك الامجاد، حتى بات “الكشافة”العريق يستجدي عطف مسؤولين لايبالون به.

يقع ملعب الكشافة في محلة الكسرة (شمالي بغداد) التي تحمل الرقم 302 ضمن الترقيم الحديث لمحلات بغداد، هذه المحلة التي أنجبت العديد من اللاعبين بفضل هذا الملعب الذي هو الآن محرم على أبناء المحلّة وليس لديهم سوى ملعب بسيط للخماسي، فالإهمال متواصل عبر عشرات السنين ولا أدلّ على ذلك من سقط صاروخ عليه أثناء الحرب العراقية الإيرانية منتصف ثمانينات القرن الماضي وهدم جزءاً كبيراً من مدرجاته المقابلة للمقصورة الرئيسة، فلم تتمّ إعادة بنائها ولا ترميمها، بل إنها ألغيت وتمّ بناء سياج من الطابوق محلها.

يمكن الاستئناس برأي اللاعب الدولي السابق مجبل فرطوس ابن محلة الكسرة يقول فيه (الكسرة هي منبع النجوم، فأغلب اللاعبين الكبار الذين مروا على تأريخ الكرة العراقية هم من الكسرة. هذه المنطقة متأثرة بكرة القدم ففيها ملعب الكشافة الذي يحيط بها وهو الملعب الأول ببغداد، فقد كنا سابقاً وعندما نخرج من المدرسة نغير ثيابنا ونذهب مباشرةً إلى الملعب فهو يمثل لنا الأمل والطموح ورمزاً كروياً حياً، وأذكر جيداً أنه كان يوجد منفذ من منافذ الملعب خاص بدخول المتفرجين وكنا نلعب بجانبه كلّ يوم.

ويضيف فرطوس: حزنت على الملعب لأن وضعه مزر، والمدرجات تالفة إلى حد كبير، أما أرضيته فحدث ولا حرج، وكان من المفترض أن يكون هذا الملعب قدوة لكل ملاعب العراق ولكن للأسف فإن الاهتمام بهذا الإرث معدوم.

تشييده وافتتاحه الرسمي

يعود تشييد ساحة الكشافة إلى سنة 1931، وكان الغرض منها احتضان سباقات المدارس وألعاب الساحة والميدان فضلاً عن المخيمات الكشفية من دون أن يقام له حفل افتتاحي أو مباراة افتتاحية، فيما يعد يوم الحادي عشر من شهر شباط سنة 1938 يوم الافتتاح الرسمي له، حيث أقيمت على أديمه أول مباراة لفريق عراقي مع فريق خارجي متمثلة بمباراة فريق الجيش العراقي وفريق بردى السوري التي انتهت لصالح العراقي بستة أهداف مقابل هدفين، وسجل أهداف العراق كل من غازي أحمد (ثلاثة أهداف)، هادي عباس (هدفان) واسماعيل محمد، ومن اللاعبين الذين مثلوا الفريق العراقي: ودود فرج لحراسة المرمى، وتوما عبد الأحد، وفيق علي، اسماعيل محمد، طه عبد الجليل، جدوع علي، محمود خرطنة، هادي عباس، قدوري كافر، غازي أحمد، حقي الشربتي. وقد مثلت هذه التشكيلة أول منتخب عسكري عراقي، وأدار تلك المباراة الحكم جزمي سليمان، وارتدى الجيش العراقي قمصاناً رمادية اللون موشحة بالأزرق في حين ارتدى الفريق السوري الملابس الحمر الموشحة بالأبيض.

ساحة وليس ملعباً

لم يكن اسم (ملعب الكشافة) هو الاسم الأول للملعب، بل كانت تسميته الأولى (البلاط الملكي) لقربه من قصر الملك الكائن في منطقة الكسرة، بل إنه لم يكن يحمل اسم (ملعب) بل (ساحة) من ثم سمي بـ(ساحة الكشافة) قبل أن يطلق عليه اسم ملعب سنة 1942، ولأن الساحة أنشئت غير مسيجة فقد ظهرت خلال سنة 1934 وبالتحديد في الفترة ما بين نهايته وبين الشهر الأول من عام 1935 دعوة لتسييج الملعب من أجل ضمان المحافظة عليه وديمومة ساحته، وبالفعل شهد عام 1935 تنظيماً جديداً للملعب وإضافات شملت وضع سياج ثابت للساحة من جميع جوانبها والشروع ببناء مدرجات جانبية على طرفي الملعب ليصبح على شكل نصف دائرة ويسع بذلك لـ 3000 متفرج، فيما يؤكد بعضهم إن المقصورة بُنيت في البداية، وفي الأمام كانت هناك ساحة خضراء تمثل كلية التربية الرياضية للبنات في موقعها الحالي، حيث كانت تلك الساحة تحاط بالحبال.

ملكية الملعب

كانت ملكية أو عائدية الملعب في البداية إلى وزارة المعارف (التربية) ثم انتقلت إلى الإدارة المحلية ـ ما تعرف اليوم بمحافظة بغداد ـ ومن ثم إلى نادي الجيش الرياضي، وفي الثمانينات انتقلت الملكية الى اللجنة الأولمبية، ثم رجعت ملكيته بعد عام 2003 الى وزارة التربية، وكانت مديرية التربية البدنية التابعة لوزارة المعارف آنذاك هي الجهة المسؤولة عن الحركة الأولمبية والاتحادات الرياضية في العراق حتى استحداث وزارة الشباب عام 1967، وقد أُلحقت الرياضة الأهلية واللجنة الأولمبية والاتحادات الرياضية الوطنية والأندية الرياضية بوزارة الشباب، كما أُلحقت المديرية المذكورة بكامل فروعها وشُعَبِها بالوزارة بموجب قرار (مجلس قيادة الثورة المنحل) رقم 556 في الثلاثين من تشرين الأول عام 1969.

تمثال جمولي

ينتصب عند مدخل الملعب تمثال لكابتن المنتخب العراقي جميل عباس (1927 – 2004) المعروف بـ(جمولي) ابن محلة الكسرة الذي يعد أحد أشهر لاعبي الكرة العراقية، وقد تكفل قائد الفرقة المدرعة الثالثة آنذاك محمد كريم بإعداد التمثال ووضعه أمام بوابة الملعب حيث كان جمولي يلعب لفريق الفرقة الثالثة إذ قال قائد الفرقة لجمولي يوم اعتزاله عام 1966 (سنضع لك نصباً في بوابة الملعب)، وقام بتصنيع النصب في إيطاليا النحات ميران السعدي وتم وضعه أمام بوابة الملعب عام 1968، وتعرض التمثال إلى الإهمال في أوقات عدة بالرغم من اهتمام الأهالي بتنظيفه، بل أن بعضهم قام بطلائه بلون سيئ سرعان ما تعرض للانتقاد فتم تغييره، فيما هو الآن محاط بسياج حديدي لا يليق بمكانته وتزدحم بالقرب منه العديد من الأشياء التي أضاعت معالمه.

ناظم الغزالي بدأ منه!

لأن الساحة كانت مخصصة لنشاطات وزارة المعارف فقد كانت تقيم عليها مخيمات كشفية للطلاب، يظهرون من خلالها مهاراتهم ومواهبهم الفنية والثقافية، وبحسب الناقد الموسيقي عبد الوهاب الشيخلي (ت عام 2007) فإن المطرب ناظم الغزالي (1921 – 1963) بدأ من ساحة الكشافة (عندما لمس «رجاء الله الزغبي» معلّم النشيد في المدرسة المأمونية في ناظم الغزالي القدرة على حفظ وترديد أغاني كبار المغنين, أشركه في المخيم الكشفي الذي أقيم عام 1936 في ملعب الكشافة، وتعد هذه الممارسة أولى الخطوات على طريق احتكاك هذا الفنان بالجمهور).

واقع مؤلم

بالرغم من ذاكرة الملعب المفعمة بالمسرات إلا أن الأحزان نالت منه كثيراً، فهو محطم، أشيب، وكثير من أجزائه مجرد نفايات وأوساخ، ومضمار الركض فيه أسوأ من السيئ، والمدرجات ما بين متهالكة ومغبرة، فيما الأرضية سيئة وإن كان أهل الملعب يعملون على تشذيب عشبها في محاولة منهم لتهيئتها لتدريبات فريق يحمل اسم (ديوان الوقف السني!) يقال أنه يلعب ضمن الدرجة الأولى، فيما أبراج الأضواء الكاشفة لا تعمل وأحدها سقط كأنه يحتج على حال الملعب، لكن الملعب في مجمله يذرف دموع الأسى، والطريف أن الملعب المجاور لملعب الكشافة والمخصص للتدريبات هو الآن عبارة عن غابة من نباتات شوكية حتى إنني توقعت أن حيوانات مفترسة قد تعيش فيها وهي محاذية لكلية التربية الرياضية للبنات.