كريم العراقي..وداعاً

142

عادل مكي/
تخيلوا، موت الشعراء يحرجنا أكثر مما يحزننا، طاولاتهم مليئة بمسوَّدات ورؤوس أحلام وقوافي شعر لم تكتمل، لذلك يقول الشاعر الفرنسي (كوكتو) “لا تبكوا، وإنما تظاهروا فقط بالبكاء، فالشعراء لا يموتون بل يتظاهرون بذلك.” فكيف الحال حينما يكون غواص أوجاع ماهر يلتقط بشاعريته الفذّة ما يسيل على خدّ مدننا المنكوبة من فجائع، ولم يترك فجّاً من فِجاج حياة الناس إلا سلكه وسجل فيه بلاغة الإبداع.
ماتَ كريم العراقي، متنبّي الشعر الغنائي -كما يسمونه- الذي حين يُذكر الطرب العراقي يُذكر معه، فهو عرّابه. كان النقاد سابقاً حين يمايزون بين الشعراء يقولون: فلان أشعر من فلان، لأنه لم يقتصر على لون واحد كالغزل مثلاً، بل كتب في كل لون، لكن العراقي شق غبار هذه القاعدة وكتب عن خلجات النفس بحلوها ومرّها، ونفذ إلى ما لا تنفذ الإبر إليه، كما قال الأخطل، كيف لا وهو عرّاب الدهشة الشعرية، ولاسيما في مدننا المنكوبة التي لا تتحقق إلا بالاختراق الميثولوجي وتحويل مفردات هذا الكون إلى لحظة إحساس مفعمة وعارمة بالجمال، فمهمة القصيدة، أو النص الشعري، هي وظيفة لليقظة، وهي نوع أو مس من الجنون، فالشاعر هنا روح معنية باكتشاف الأشياء المخبأة التي لا تراها أعين الآخرين، وهي مهمته الصعبة كشرط لاستمراره الدائم من خلال ما يقدمه من نتاج، وهو معني بتبريرها كوجود لأنها لحظة استشعار بين الحلم واليقظة، وقد تكون مخاضاً فتأخذ شاعرها إلى حد الغيبوبة، فالشعر مرتبط بعلاقة مع الأشياء التي من حولنا، وهو المعني باكتشافها وتحويلها إلى مادة تدب فيها الحياة.
إذاً، فإن مهمة الشاعر تشبه مهمة المحقق الجنائي الذي يحاول أن يكتشف الأشياء من خلال تجربته أو فراسته، فالشعر ترجمان للحياة بحلوها ومرها، ولهذا انفرد الشاعر الكبير كريم العراقي من خلال مسيرته الطويلة بتقديم نماذج غنائية شعرية متفردة كانت شريطاً سينمائياً وثّق فيه كل أحزاننا وأفراحنا بسيل من الأغاني التي ستظل عالقة في ذاكرة التاريخ. فقد امتلك كريم العراقي لغة شعرية سهلة ممتنعة تشعرك -في بعض الأحيان- أن بمقدورك أن تكتب مثلها، لكنك عندما تحاول تجد أن ذلك لا يجيده سوى كريم، فهو قد تشرب باللغة والمعنى ومزج بين الفصحى والشعر الشعبي بطريقة جميلة، فكان شاعراً لا يشق له غبار، فهو العارف بفنون اللعبة الغنائية، إذ ضبط ذائقة المطربين على إيقاع بحوره، فعزز من اللغة البيضاء في النص الغنائي باحترافية عالية، لذا كان رقماً صعباً في خريطة الشعر العربي والعراقي، لأنه طوّع المفردة الشعرية برشاقة اللفظ المشتق بعذوبة ليصنع لنا كنوزاً من الجمال.
ولد كريم العراقي في منطقة الشاكرية وسط بغداد، وبدأ الكتابة والنشر منذ كان طالباً في المدرسة الابتدائية في مجلات عراقية عديدة، وتنوعت اهتماماته بحيث شملت كتابة الشعر الشعبي والأغنية والأوبريت والمسرحية والمقالة، فضلاً عن اهتمامه بالثقافة والأدب. حصل على الدبلوم في علم النفس وموسيقى الأطفال من معهد المعلمين في بغداد، وعمل معلماً في إحدى مدارس بغداد لعدة سنوات ثم مشرفاً متخصصاً في كتابة الأوبريت المدرسي، وقد كتب مقطوعات عديدة أهمها في عام 1974حين قدم للأطفال أغنيتي (الشميسة) و (يا خالة يالخياطة)، حين كان طالباً في المرحلة المتوسطة، ثم قدم العديد من الأعمال الناجحة ومنها: (تهانينا يا أيام) لصلاح عبد الغفور، و(دار الزمان وداره) لسيتاهاكوبيان، و(جنة جنة) للفنان رضا الخياط وألحان عباد عبد الكريم، و(عمي يبو مركب) لفؤاد سالم، و(وي هلا) لأنوار عبد الوهاب، و(عرفت روحي أنا) لرياض احمد، و(يا أمي) لسعدون جابر، و(هلا بيك) أغنية رياضية، كما كتب كريم العراقي كلمات أربع أغنيات لسعدون جابر من ألحان الفنان بليغ حمدي عام 1981 وثلاث أغان لحسين نعمة (تحياتي ـ شكد صار أعرفك ـ هنا يمن كتلي اعتمد) وأغنية (خسرتك يا حبيبي) لصلاح عبد الغفور، وكذلك أغنية (الشمس شمسي والعراق عراقي) ألحان وأداء جعفر الخفاف.
استمرت رحلة كريم العراقي من عام 1987 مع صديقه ورفيق دربه الفنان كاظم الساهر، وكانت أول أغنية في مسلسل (شجاهه الناس) من ألحان الخفاف و(ناس وناس) و(معلَّم على الصدمات قلبي) و(افرح) و(لا تحرموني منه)، وقد كتب للساهر أكثر من 70 أغنية.
وكانت الانطلاقة الحقيقية للعراقي مع الساهر في مصر، ومن خلال وجوده في القاهرة جرى التعامل مع الفنانين العرب (ديانا حداد ـ فضل شاكر ـ عمر العبد اللات ـ سميرة سعيد -محمد منير – هاني شاكر ـ أصالة نصري ـ صابر الرباعي ـ وآخرين)، وكذلك مع مطربين عراقيين مغتربين منهم (رضا الخياط – ماجد المهندس ـ عادل مختار ـ رضا العبد الله) وغيرهم، وفي عام 2005 كان للعراقي كاسيت بصوته لأول مرة لحساب شركة روتانا بعنوان (دللول).
ومع بداية التسعينيات غادر كريم العراق إلى تونس، واشتهر بقصائده الوطنية، وشارك في أعمال مسرحية كثيرة، ثم غادر تونس متنقلاً بين عدة دول عربية إلى أن استقر أخيراً في الإمارات العربية المتحدة.
عمل محرراً فنياً لعدة سنوات في مجلة (فنون) العراقية، كما عمل محرراً صحفياً في عدة مجلات عربية في مصر والسعودية والإمارات، إضافة إلى أنه عضو جمعية مؤلفي وناشري الموسيقى العالمية، واشتهرت أشعار كريم العراقي بشكل كبير نتيجة لتعاونه مع كبار النجوم، مثل كاظم الساهر وأصالة وصابر الرباعي وماجد المهندس وعاصي الحلاني، علماً أن العراقي حاصل على جائزة منظمة اليونسيف لأفضل أغنية إنسانية عن قصيدة (تذكّر) التي لحنها وغناها الفنان كاظم الساهر، فيما غنى من شعره عشرات المطربين العراقيين والعرب.
لذلك -يقيناً- فإن الشاعر الغنائي كريم العراقي اسم لا يحتاج إلى تعريف في الساحتين الغنائية والشعرية، بل على العكس من ذلك، فهو الذي صار يعرَّف به، وبأغنياته الجميلة الكثير من المغنين المشهورين، والملحنين الكبار.
وأظن بأن ألف أغنية زرعها كريم العراقي على مدى 40 عاماً على شفاه عشرات المطربين العراقيين والعرب، ومئات القصائد، والأوبريتات، والمسرحيات، والمقدمات الغنائية لعدد من الأعمال التمثيلية، ومئات القصائد والقصص الخاصة بالأطفال، وعدد كبير من الحكايات الشعبية المنشورة في عدد غير قليل من الكتب، والصحف، والمجلات، كلها تكفي لأن تجعل من هذا الفتى نجماً كبيراً، واسماً لامعاً يتباهى به العديد من كتاب الأغنية والمبدعين العراقيين أيضاً.
وأخيراً، فاضت روحة الزكية وآن لجناحيه المرهقين وجسده الذي أتعبه الشعرُ والكيمياوي، ليفيض النور الإلهي على روحه الطاهرة ‏بعد أربع سنوات من الصراع مع المرض، وأكثر من تسعين جرعة كيمياوي، وما يزيد على الخمسة وعشرين عملية جراحية. رحم الله شاعرنا الكبير كريم العراقي، فلقد أخلص في كل ما قدم، فكان وسيظل نموذجاً عراقياً لن يكرره الزمان.. ولا المكان.