نصوص ضاعت بين مقص الرقيب واستفتاءات فاشلة

165

عادل مكي/
وقف زميلي مندهشاً أمام بوابة غرفة الفاحص التلفزيوني في تلفزيون الشباب حينذاك، عندما قدم له (كليباً مصوراً) لأغنية (واقع الحال) للفنان باسم العلي، التي كتبت كلماتها، وقد رفض ذلك الفاحص، الذي كان أحد أعضاء فرقة الإنشاد العراقية، قبل ان يرفع من شأنه من منشد الى فاحص للأغاني الشبابية، وبرر رفضه بالقول “انها أغنية غريبة بسبب وجود شاعر يحاور مطرب في الغناء وهذه حالة جديدة غير مألوفة في الغناء العراقي.”
والحق انها كذلك، فهي اول تجربة لأغنية عراقية تصاغ بتلك الطريقة، حذا حذوها العديد من الشعراء والمطربين بعدي في تقديم تلك الطريقة الجديدة في الغناء العراقي. ولم ينته ذلك النزاع الا بموافقة مدير تلفزيون الشباب حيدر عبد الحق، الذي أعجب بها ووافق على بثها، وأقنع ذلك الفاحص بضرورة إجازتها كونها لا تسبب ضرراً -ان وجد- للقناة، بل على مطربها وشاعرها، وتم ذلك بالفعل رغم عدم اقتناع ذلك الفاحص العتيد وبثت الأغنية.
نجاح كبير
الأغنية بعد عرضها حققت نجاحاً باهراً، واصبحت حديث الشارع العراقي في تسعينيات القرن الماضي، ولاسيما بعد ان اضاف المخرج هشام خالد لجماليتها الشيء الكثير.
ذات الأمر كانت له سابقة حدثت معي في منتصف عام ١٩٨٦ حينما تقدمت بنص غنائي لتقديمه في برنامج (أصوات شابة) الذي كان يشرف عليه الفنان الملحن فاروق هلال، ولم يجز النص من قبل لجنة فحص النصوص بسبب انه يحتوي على كلمة (آه من الغدر) لأن هذه الكلمة ربما تؤول بغير تفسير، وقد تضعهم في مشكلات هم في غنى عنها. حاولت حينها طلب اللقاء بتلك اللجنة أكثر من مرة لكن دون جدوى، اضطررت بعدها للتحايل على اللجنة بتغيير تلك الكلمة بعد عناء طويل لتكون بدلا من (آه من الغدر) الى (آه من الهجر)، فنجحت المحاولة وقبل النص الغنائي، اذ انه من الحماقة ان يمنع نص غنائي بسبب كلمة واحدة!! حينذاك، كانت كلمة واحدة قابلة للتأويل لدى التدقيق والرقابة، وهم يبحثون بين سطور الكلمات على اقل مفردة لقتل أية موهبة تحاول الولوج الى الإذاعة والتلفزيون بحجة ان النص غير صالح وغير مقبول، وهو الأمر الذي قتلت بسببه عشرات النصوص عند عتبة تلك اللجنة الرقابية العتيدة، في حين تسربت أغانٍ أخرى وأخذت طريقها الى البث الإذاعي والتلفزيوني.
أغاني النواب (تفلت) من اللجنة
ورغم أن بعض كتّاب الأغنية كانوا معارضين أشداء لسلطة النظام الحاكم، امثال الشاعر الكبير مظفر النواب، لكن أغنيته الخالدة (ليل البنفسج) وأغنية (روحي) و (حن وانه حن)، التي صيغت لصوت الفنان ياس خضر، ومن ألحان الفنان طالب القره غولي، التي كانت فيها رسائل مشفرة وتلميحات عميقة كثيرة مرت على اللجنة. ورب سائل يسأل: كيف سمح لتلك الأغاني بالبث وأن تمر على لجنة فحص النصوص وأن تسجل وتبث من نفس المكان الذي صدر منه قرار منع أغانيه؟ فهو امر يدعو للدهشة والغرابة، لكن كل ذلك ينتهي امام حلاوة وجمال النص وابداع طالب القره غولي بتلحينه، كما قد تكون (سلطوية) القره غولي الذي كان رئيس قسم الموسيقى والغناء في الاذاعة والتلفزيون، أسهمت بتغافل الرقابة عن اغنياته، ليتطور الامر الى أبعد من منع نصوص لا تتوافق مع هوى السلطة حينها.
ياصبحة هاتي الصينية
وامتد المنع ليشمل العديد من اغاني المطربين العرب مثل اغنية (ياصبحة هاتي الصينية) للمطرب العربي السوري موفق بهجت، التي منعها النظام البائد كون اسم (صبحة) هو نفس اسم أم رئيس النظام المقبور، وكذلك أغنية (صبوحة خطبها نصيب) لنفس السبب أعلاه. كذلك أغنية كريم منصور (يمحمد) وأغنية (نايم المدلول) لحسين البصري التي منعت لأسباب سياسية بحتة، وكذلك الحال بالنسبة لأغاني فواد سالم وقحطان العطار وصباح السهل، التي منعت من البث في الإذاعة والتلفزيون، بل منع تداولها حتى في محال تسجيل الأشرطة الصوتية، بالإضافة الى ان من يتعامل مع تلك الأشرطة سيكون مصيره أسود مثل يومه، وربما يقبع في سجون الأمن العامة، لا لشيء سوى انه يمتلك ذوقاً وأذناً سمّيعة.
الساهر يحطم قيود الرقابة
لكن تاريخ الأغنية سوف يسجل لكاظم الساهر أنه اول من حطم (تابوهات) الرقابة وكسر قيودها، وفتح الباب على مصراعيه عندما أصدر عن (شركة الخيول) في الخليج العربي ألبوماً غنائياً ذا كلمات غاية في المباشرة مثل اغنية (ابجي ما تبجي ابد بعد متحرك احساسي انت مو صادق بدمعك انت ظالم انت قاسي) فكلمتا (ظالم) و (قاسي) وأغنية (هدد حطم كسر العب عل اعصابي) فتحت الباب المغلق امام جمهرة كبيرة من الشعراء في ان تكون لهم فسحة جديدة ومساحة واسعة في المباشرة، مبتعدين عن (التلغيم والمواراة) في قلب الشاعر، فصارت النصوص الغنائية تأخذ شكلا جديدا لم يكن مألوفا، ما جعل الشاعر حرا طليقا يكتب ما يشاء، فسقطت بذلك قيود ورقابة لجان الفحص المرعوبة التي قتلت مئات الأغنيات الجميلة، وتلاشى عملها، ولاسيما بعد فتح اذاعة وتلفزيون الشباب التي كسرت كل القواعد المتعارف عليها، التي أعتقد أنها كانت نوعا من انواع المخدر الوقتي لامتصاص نقمة الشارع العراقي وغليانه بسبب الحصار وتبعاته.
بل زادت في الأمر خطوة تمثلت -بعد افتتاح تلفزيون الشباب- بعرض اغاني الشباب وبأعداد هائلة لكل من هب ودب وحلم بالنجومية، وبمبالغ مالية عن كل عرض لأية أغنية، لكن في مقابل ذلك، كان يمنع بث أغاني الجيلين السبعيني والثمانيني كرها ومناوءة لكتابها ومطربيها لأن آراءهم الشخصية، او السياسية، متقاطعة مع توجه الدولة حينها، في محاولة يائسة لمحو ألق الأغنية العراقية الأصيلة المتجذرة في تراب الأرض.