الأركيلة الإلكترونية.. شكلٌ عصري ومضرةٌ كلاسيكية

ذو الفقار يوسف/

انسل أحمد خلف جدران مدرسته وبدأ بتدخين أولى سجائره في سبيل التجربة، وكان يومها في الخامسة عشرة من عمره، وها هو يدخل عامه الثلاثين وما زالت تلك السيجارة بين أصابعه، مدمناً، او كما يصف نفسه مدخناً عتيداً.
لقد سيطر التدخين تماماً على حياته، ما جعله يبحث عن علاج للإقلاع عنه، عسى ان يتخلص من تلك الآفة التي لازمته لأكثر من نصف عمره مهددة حياته، وحياة من حوله.

خاض أحمد حواراً جاداً مع صديقه المقرب سعد، بعد أن نصحه الأخير بترك التدخين، وأن يجعل إرادته قوية بهذا الخصوص، إلا أن أحمد ذو إرادة ضعيفة أمام تلك اللفافة البيضاء، ما جعل صديقه يقترح عليه بديلاً عنها، كمضغ العلكة او اقراص النيكوتين. وطبق نصيحة صديقه، لكنها لم تتمكن من انقاذه برغبته الملحة في التدخين، ولم يملك سعد إلا أن يقترح عليه تجربة الأركيلة الإلكترونية، والتي تنتج ما يشبه مثل السجائر الاعتيادية. سارع احمد الى شرائها دون أن يتساءل إن كانت ستضر بصحته.

الأركيلة الإلكترونية

المبخّر الشخصي الإلكتروني اصبح بديلا لتدخين السجائر أو الأركيلة. قيل إنه أقل ضررا من السجائر التقليدية التي تحتوي على مواد سامة ومسرطنة. هو جهاز إلكتروني يعمل بالبطارية لتسخين فتيلة تقوم بتبخير محلول يسمى بالعصير الإلكتروني لينتج بخارا كثيفا يمكن مقارنته بدخان السجائر من حيث الكثافة برائحة مقبولة ويختفي بسرعة ولا يحتوي على ثاني أوكسيد الكربون. يتم استنشاق البخار وإخراجه عن طريق الفم. يحتوي المحلول على نسبة من النيكوتين ليتناسب مع خيار الذين يريدون الإقلاع عن التدخين.

الأركيلة الإلكترونية توفر تجربة شبيهة بتدخين السيجارة والشيشة والمعسل، وقد تساعد على الإقلاع عنها بشكل سهل، لكنها في الوقت نفسه تحول المدخن التقليدي إلى آخر الكتروني، ولا تضمن الاقلاع عن التدخين بسبب نسبة النيكوتين الموجودة فيها، لذلك يتم وصفها ببديل للتدخين..

البديل السيئ

“لا شك في أن النفخة الواحدة من الأركيلة الإلكترونية هي اقل خطراً من نفخة سيجارة تقليدية، بشكل عام، حيث تحرر السجائر الالكترونية النيكوتين بكمية اقل من السجائر العادية، لأنها تولد بخاراً عوضاً عن دخان التبغ، ولكن ذلك لا يعني دوماً ان تلك الأجهزة تمثل وسيلة اكثر أمانا من السجائر العادية.”

هذا نص ما قاله ستانتون غلانتز، بروفيسور في الطب ومدير مركز دراسة وأبحاث مراقبة التبغ في جامعة كاليفورنيا، سان فرانسيسكو. المشكلة الأكبر انها بديل سيئ للاقلاع عن السجائر، وان 70-60% من المدخنين اصبح تدخينهم مزدوجاً، اي انهم، بعد استعمالهم للاركيلة الالكترونية، لم يتركوا عادة تدخين السجائر الاعتيادية، ما جعلهم اكثر عرضة للامراض، خاصة وأن العصير الالكتروني يتكون من نيكوتين ممزوج بالبروبيلين غليكول والغليسيرين، ونكهات مختلفة مثل العلكة والبطيخ والتفاح، وتعمل البطاريات على تسخين هذا السائل وتحويله إلى بخار يمكن للمستخدمين استنشاقه، فتمد الجسم بالنيكوتين، وهو المادة المسببة للادمان، دون انتاج اي دخان.

“دخّن بعد”

هذا ما قالته احدى الفتيات لمصطفى ذي الثلاثين عاماً، عندما دخل محلاً نافخاً في الهواء بخار الاركيلة الالكترونية، فرائحته التي تشي بنكهات متعددة، قد تعطر الجو برائحة زكية تجلب الانتباه، إلا أن هذا القناع الطيب الرائحة يخبئ الوجه الحقيقي الذي لانعرف عنه الكثير، حيث اقر علماء معهد روزويل بارك للسرطان أن العديد من النكهات المضافة للسجائر الالكترونية لها تأثير في سمّية الأجهزة، وان من بين النكهات المختبرة، الفراولة هي الاكثر سمّية، واكد الباحثون في نتائج سابقة ان زيادة انتاج التيار الكهربائي للبطارية في هذه الاجهزة يزيد السمية بشكل كبير، ويضيف دكتور فونييويجز “تبين دراستنا ان منتجات السجائر الالكترونية تختلف اختلافا كبيرا في درجة سمية خلويتها للخلايا الظهارية للشعب الهوائية. هذه النتائج لها آثار هامة، لان خصائص منتجات السجائر الالكترونية كقوة الجهاز، ووجود المواد المنكهة، يمكن تنظيمها وتوحيدها، بالإضافة إلى ذلك، قد يرغب المستخدمون في تقليل الضرر المحتمل عن طريق اختيار المنتجات الاقل سمية وتشغيل الجهاز على طاقات اقل.”

شكوك..

تعددت انواع الاركيلة الالكترونية ونكهاتها، وتعددت الروايات في صحة ان كانت مضرة ام لا، فالكثير من مستخدميها يؤكدون انها غير مضرة كالسجائر الاعتيادية، الا أننا عند سؤالنا لاحد الاطباء المختصين بامراض الجهاز التنفسي اجابنا قائلا “أظهرت مراقبتنا لمستخدميها ان البعض يعاني من امراض تنفسية، لكننا لا نجزم ان تكون هذه الاركيلة سبب الإصابة بها لعدم وجود معلومات كافية، خاصة وانها قد ظهرت في الأسواق العراقية منذ نحو خمس سنوات فقط، اي لا توجد دراسات طويلة الأمد على اشخاص قد استخدموها لثلاثين الى اربعين سنة، لذلك ما زالت التاثيرات القصوى لها مع مرور الزمن على صحة القلب والرئة، بالاضافة الى امكانية تسببها بالسرطان، غير معلومة، الا انه حسب الدراسات يمكن لمادة البروبيلين غليكول، الموجودة ضمن سوائلها ان تهيج العينين والمجاري التنفسية، كما أظهرت دراسات مبكرة ان البروبيلين غليكول والغليسيرين قد يتحللان عند التسخين والتبخير إلى الفورمالدهيد والأسيتالدهيد واللذين يتم اعتبارهما من المواد المسرطنة رغم عدم وضوح الاضرار التي يتسبب بها التعرض المستمر لبخارها، ولكن بشكل عام، بالرغم من تورطها في بعض المشاكل الصحية، ما زالت أقل سمية من السجائر والاركيلة التقليدية، وبالتالي يمكن اعتبار كل ما يبعد الناس عن التبغ توجيها لهم إلى لطريق السليم، ومن الأسئلة الاخرى غير المجابة، هو كيفية تاثير النكهات المستخدمة في هذه الأجهزة على صحة المستخدمين، وحسب الجمعية الأمريكية للرئة، يوجد نحو 500 علامة تجارية و7700 نكهة معروضة للبيع حالياً، وقد ساعد التنوع الكبير للنكهات على جعل تلك الآلة مرغوبة من قبل الشباب.

نيكوتين ولكن..

بالرغم من ان عمر ابتكار الاركيلة الالكترونية، لم يتخط العشر سنوات، إلا أن فائدتها ملموسة بالنسبة لمدمني السكائر التقليدية، فالنيكوتين فيها نقي، وخال تماماً من الاضافات التي نراها في السكائر الاعتيادية، وايضاً قد تكون سبباً في ترك التدخين، وبعبارة اخرى، فانه يمكن للتحول من تدخين السجائر التقليدية الى الإلكترونية ان يقلل من خطر اصابة المدخن بالامراض مقارنةً بمن يستمرون في تدخين السجائر التقليدية، وقد يختبرون فوائد صحية اخرى، كانخفاض العجز الناتج عن الامراض لدى المدخنين، وانخفاض تعرض المحيطين بالمدخن للتدخين السلبي، الا انه يستحسن عدم الترويج لهذا المنتج او استعماله كبديل لاستهلاك الاركيلة او السجائر التقليدية، قبل التاكد ان كانت لها فوائد تحد من ضرر استهلاكها بشكلها الشائع، لذلك لا بد من التحذير منها الى حين التاكد وبالطرق العلمية من صحة فوائدها التي يروَّج لها ومن مدى مطابقتها للمعاييرالصحية التي تنصح بها منظمة الصحة العالمية.