سينما غرناطة جوهرة الصالات التي ضاع بريقها

الشبكة العراقية /

في الباب الشرقي، وفي أحد الأزقة كانت هناك صالة سينما تُسمى جوهرة صالات العرض في بغداد في الأيام الخوالي. كانت هذه الصالة تعج بالمتفرجين، وكان حضور العائلة العراقية في العرض المسائي أمراً طبيعياً جداً، الميزة التي كان يتميز بها البغداديون هي حبهم للفنون بصورة عامة، لذلك انتشرت دور العرض السينمائي آنذاك.
من هذه الدور سينما غرناطة التي تميزت عن غيرها من دور العرض بارتياد الطبقة المثقفة لها لمتابعة الأفلام السينمائية المميزة أو ما كان يطلق عليها “العرض الأول” في كل يوم إثنين من كل أسبوع. تحول المكان اليوم الى مكب للنفايات، وما بين النفايات وسوق بيع الملابس المستعملة ضاعت معالم الصالة وسط هذا الزخم الكبير من الباعة والمتسوقين.
جوهرة الصالات
تأسست سينما غرناطة أوائل الأربعينات من القرن الماضي وتحديداً عام 1941 وتقع في شارع الملك غازي محلة قهوة شكر في منطقة الباب الشرقي. أسسها المرحوم عبد الرزاق الشيخلي تحت اسم سينما دار السلام تيمناً بالعاصمة بغداد التي كانت تعرف بهذا الاسم. وفي مطلع الستينات تغير اسمها فسميت “سينما ريو”، وفي سنة 1971 استقر مالكها الجديد على تسميتها بسينما غرناطة. عمل مالكوها على تأثيثها بأرقى الأثاث الإيطالي والأميركي الفاخر لتكون في غاية التميز عن بقية الصالات، إذ كانت مقصد العوائل العراقية العريقة ورجال النخبة البغدادية المثقفة فضلاً عن جمال تصميمها وسعة مساحتها وأجنحتها ومقصوراتها الفارهة ذات الطراز الإيطالي، يبلغ عدد مقاعدها (1150) مقعداً حتى سميت حينها بجوهرة الصالات، وقد تميزت أيضاً بالتنظيم في عمليات الدخول والخروج واختيار المقاعد وفق الأرقام في جميع أقسامها وكثرة المرشدين الذين يدلّون المشاهدين الى مقاعدهم المخصصة. لمع نجمها وتألقت وصارت هدفاً للزوار والباحثين عن المتعة الفنية الراقية عندما قامت بعرض الفيلم الشهير (مدافع نافارون) عام/1962 الذي مثّلته الممثلة اليونانية الشهيرة إيرين باباس الى جانب غريغوري بيك.
تخصص منفرد
دأبت الدار على مواكبة إنتاج السينما الفرنسية، وكادت أن تتخصص فيها، اذ عرضت أفلاماً لكبار نجوم هذه السينما كجان جابان، وإيف مونتان، وكاترين دينوف، وجين مورو، وسيمون سينوريه، وآني جيراردو، وميري دارك، وآلان ديلون في عز شبابه وتألقه ونجوميته المفرطة، وجان بول بلموندو، وروبرت حسين، وفيها كان العرض الأول للفيلم الرائع “زوربا” لأنتوني كوين عن قصة الكاتب اليوناني كازنتزاكي الذي عُرض أوائل السبعينات. في غرناطة عرض فيلم “الإخوة كارامازوف” المأخوذ من رواية فيودور دستويفسكي. عرضت سينما غرناطة أفلاماً عديدة للنجم الأميركي جارلس برونسون، الذي لاقت أفلامه إقبالاً واسعاً، وكان لفيلم (الممتازون السبعة) لبرونسون ومعه النجمان يول براينر وستيف ماكوين وقع كبير، ويعد اليوم من كلاسيكيات أفلام (الويسترن). امتنع القائمون على الدار من عرض أي فيلم مصري أو عربي أو هندي، ربما لشعورهم بعدم وصول الفيلم العربي والهندي الى مستوى الأفلام الأميركية والأوروبية، وكان الاستثناء الوحيد هو فيلم السيدة فيروز (بياع الخواتم ــ 1965)، الذي عرض في أحد الأعياد وفشل فشلاً مادياً مريعاً.
إهمال متعمد
ما زالت هذه الصالة العريقة قائمة في مكانها وسط أكوام النفايات وينشط قربها سوق الملابس المستعملة، زوراها نفرٌ قليل ممن يبحثون عن الراحة بعد يوم عمل متعب أو من روادها القدامى الذين يتحسرون على تلك الأيام التي كانت الصالة فيها تعج بالمتفرجين، حين كانت دور العرض المزدهرة علامة بارزة في مشهد بغداد الثقافي والفني، يقفون اليوم على أطلالها مستذكرين تلك الأيام الخوالي ويتبادر الى أذهانهم سؤال واحد: لماذا الإهمال المتعمد لأهم معالم بغداد ولمَ هذا الإصرار على طمس تلك المعالم. الغريب في الأمر أن أمانة بغداد ما زالت تفرض ضرائب كبيرة على دور العرض السينمائي أسوة بالملاهي الليلية دون أن تقدم أي عون لأصحاب تلك الدور في إصلاح ما تبقى من تلك الدور فضلاً عن شمولها بساعات القطع المبرمج وعدم توفير الوقود اللازم لمولدات الديزل لديمومة عمل السينما.