طارق الربيعي: “قره قوز” كان انطلاقتي الأولى نحو الشهرة

#خليك_بالبيت

علي ناصر الكناني /

قبل أكثر من نصف قرن من الزمن بدأ الفنان طارق احمد علي المعروف بـ (طارق الربيعي، تولّد عام 1937) مشواره الفني الطويل ومسيرته الإبداعية الحافلة بالتميّز متألقاً في أداء الأدوار الكوميدية في مجال التمثيل وتقديم الفعاليات الترفيهية والغنائية المنوّعة عبر أثير الإذاعة والتلفزيون.
ويعدّ الربيعي من جيل الرعيل الأوّل الذين واكبوا البدايات الأولى للبث التلفزيوني المباشر عام 1956 يوم كان بالأسود والأبيض، وبالتزامن مع تلك البدايات للتلفزيون اتفق مع زميله الفنان الراحل أنور حيران على مواصلة تقديم برنامج “قره قوز” بعد أن غادره مقدّمُهُ الأوّل عبد الستار عبد الرزاق لتطوعه في الجيش بصفة ضابط.
مشاكسة طفولية وراء أوّل أدواره
تجاوز الربيعي الثمانين عاما من العمر لكنّ الحنين ما يزال يدفعه إلى مسقط رأسه “الكرادة الشرقية” التي ترعرع وتربى فيها، في البدايات الأولى لمسيرته الطويلة وأثناء دراسته الابتدائية شاكسه أحد أصدقائه ممازحاً، طالباً منه المشاركة في أداء دور امرأة في تمثيلية أطلقوا عليها اسم “أم عباس” في حفل خاص أقيم في منطقتهم عام 1948 وصادف أن رآه أحد معارفه فسارع بإخبار والده الذي كان يعمل سائقاً حكومياً في مجلس الإعمار آنذاك، فعاد به إلى البيت وحذّره من تكرار أداء دور امرأة مستقبلاً.
(قره قوز) محطة الانطلاق نحو الشهرة
يستطرد الفنان طارق الربيعي حديثه الشيق والممتع لنستذكر معه عبر شريط الذكريات رحلة الانطلاق نحو الشهرة عبر البرنامج التلفزيوني “قره قوز” وكيف التقى زميله وصديق عمره الفنان الراحل أنور حيران عام 1955، في المهرجان الفني والاستعراضي الذي أقامته آنذاك إحدى الفرق الفنية المصرية على حدائق لونابارك في شارع السعدون ببغداد، حيث قدّمتْ هذه الفرقة من بين عروضها مشاهد تمثيلية بألعاب الدمى المتحركة، فجذب ذلك انتباهه في تعلّم طريقة تحريك الدمى، والعمل مع حيران معا في الإذاعة ضمن برنامج إذاعي اسمه ركن العمال وانضم إليهم كذلك المطرب عبد الصاحب شراد الذي كان في بدايات مسيرته الفنية آنذاك.
أبو شنيور وزنوبة وكنو شخصيات محبَّبة للأطفال
حرص الربيعي وحيران على تقديم شخصيات جديدة ومحبَّبة للأطفال باللهجة الشعبية الدارجة مثل: “أبو شنيور وكنو وأبو دحام وعواد الأخرس” وغيرها من الشخصيات التي كانت على هيئة دمى تصنع من الخشب والقماش وتُلبس باليد وتُحرَّك بالتناغم مع الحوار، ولعلّ من الطريف هنا أن نذكر أنّ دور زنوبة قد أدته موظفة تعمل كاتبة طابعة في الإذاعة اسمها اسبرنس مقابل أجر قدره دينار واحد عن كل حلقة، إذ كان مجموع الأجور للبرنامج هو 15 ديناراً.
تمثيليات تلفزيونية وعمل سينمائي واحد
أعمال تمثيلية أخرى شارك فيها الفنان طارق الربيعي في التلفزيون كان منها تمثيلية “ست كراسي” مع الفنان حمودي الحارثي وآخرين، وكذلك تمثيلية “مجنون ليلى في الريف” مع الفنان سلمان الجوهر و”سفينة الحكايات” مع سامي قفطان و”ماكو جارة” و”لن نموت” وغيرها.. أما في السينما فكانت لديه مشاركة واحدة فقط هي في فيلم الجابي مع الفنان أسعد عبد الرزاق وراسم الجميلي وآخرين، وكانت هذه الأعمال من بطولة ومشاركة فنانين كبار، ويقف وراءها مبدعون عمالقة في الإخراج، من بينها برنامج “قره قوز” الذي تعاقب مخرجون عدّة على إخراجه على مدى سنوات طوال، كابراهيم الديواني وعبد الهادي مبارك وخالد المحارب وكمال عاكف وخليل شوقي وخالد عباس أمين وناظم الصفار ومحمد يوسف الجنابي وحمودي الحارثي وغيرهم، كما أنّ برنامج “قره قوز” تواصل عرضه على مدى عقود طويلة حتى تموز عام 2000 إثر وفاة الشخصية المحورية فيه الفنان أنور حيران، واستمرّ تقديمه على المسارح المتنقلة ورياض الأطفال والمناسبات والاحتفالات الخاصة والعامة حتى عام 2007.
أحداث ومواقف خلّدتها الذاكرة
لا شكّ أنّه هناك الكثير من الأحداث والمواقف والوقائع التي عاصرها الربيعي وعاش تفاصيلها وبقيت راسخة في ذاكرته رغم مرور زمن طويل على حدوثها مما وضعنا في حرج الاختيار كون سردها وذكرها ضمن هذه السطور قد يحتاج حتما إلى مساحة أكبر، ولذلك سنعرج على بعضها بشكل سريع ومنها ذهاب الربيعي وزميله حيران إلى القاهرة للاشتراك في دورة أقامها معهد التلفزيون العربي هناك عن مسرح العرائس الماريونيت التي أشرف عليها المخرج المصري المعروف صلاح السقا، الذي قدّم العمل الاستعراضي والمسرحي الكبير “الليلة الكبيرة” ثم نقل الربيعي تجربة مسرح الدمى إلى تلفزيون بغداد وسط إعجاب الجميع، وكذلك لقاؤه الفنان المصري محمود شكوكو في بغداد وتعاونهما، ومع الفنان علي محمود المصري لتقديم فواصل تمثيلية وغنائية وقد عمل وقتها المنلوجست شكوكو في ملهى “ليالي الصفا” في الصالحية ببغداد.
ولعلّ وقوفه كعريف حفل في احتفال أقيم بمناسبة عيد العمال العالمي على قاعة الشعب وتقديمه للزعيم الراحل عبد الكريم قاسم لاعتلاء منصّة الخطابة لإلقاء كلمة ويتذكّر كيف صافحه الزعيم بقوّة وهو يهزّ يده فشعر بفرح غامر لا يوصف، كما يقول.
مسك الختام
وأنا الملم أوراقي وأهمّ بالمغادرة مودّعا فناننا المبدع أبا زياد قال: اتمنى شيئين أن يتحقّقا لي وأنا كما تراني أرقد على فراش المرض وهما إعادة إحياء تجربة مسرح العرائس والدمى الماريونيت من قبل جهة رسمية كوزارة الثقافة، لأنَّه يخدم الطفولة وتوعيتها في شتى مجالات الحياة، والثاني هو أن يُنْصَف المبدعون الروّاد في شتى اختصاصاتهم وتوجهاتهم من قبل المعنيين، والاهتمام بهم ومعاونتهم في تجاوز صعوباتهم وإنقاذهم من الإهمال والنسيان قبل ضياع الفرصة وفوات الأوان.

النسخة الألكترونية من العدد 360

“أون لآين -3-”