هل فقدت تهاني العيد دفأها التقليدي؟

8

سجى رشيد

في الماضي، كانت للعيد أجواؤه وتجمعاته العائلية والاجتماعية، حين تعلو أصوات الضحكات، ويتبادل الأقارب والأصدقاء التهاني وجهاً لوجه، إلى أن حل التطور التكنولوجي وانتشرت وسائل التواصل الاجتماعي، فتغيّرت العادات، وأصبح إرسال رسالة نصية، أو نشر تهنئة على (فيسبوك) أو (واتساب)، كافياً للمعايدة، فهل أفقدت التكنولوجيا العيد نكهته؟

من القلب إلى القلب
في الوقت الذي يرى فيه الشباب أن التهاني الإلكترونية سهلة وسريعة، يحنّ كبار السن إلى تلك الزيارات التي كانت تُضفي على العيد طابعاً أسرياً حميمياً دافئاً.
الحاج رشيد حاجم، 86 عاماً، عاش أعياد العراق لعقود، تحدث عن الفرق بين تهاني العيد في الماضي واليوم قائلاً: “في الزمن الماضي، كنا ننتظر العيد بلهفة، وأجمل ما فيه هو التزاور. في الصباح، بعد صلاة العيد، نبدأ جولة التهاني، نزور الأهل والأقارب والجيران، ونتبادل العناق والدعوات الصادقة. لم يكن هناك من هاتف لنرسل رسالة معايدة، بل كانت تهانينا مباشرة، والكلمة تخرج من القلب وتصل إلى القلب.”
يضيف الحاج رشيد: ” كانت للتهاني نكهة خاصة، نذهب إلى بيوت الأعمام والأخوال، نقبّل أيدي كبار السن، نأخذ العيدية، ونجلس مع العائلة. أما الجيران، فكل جار يطرق باب الآخر ليقول: (عيدكم مبارك)، ونشرب الشاي ونتناول (كليجة) العيد معاً.” مشيراً إلى أن التهاني اليوم صارت باردة، مجرد رسالة جاهزة تُرسل وتنسخ بذات الصيغة للجميع دون مشاعر. متسائلاً: “أين الضحكات؟ أين الجلسات العائلية التي لا يكتمل العيد دونها؟ تلك التي تحولت إلى منشور على فيسبوك تنتظر الإعجابات والتعليقات.”
أبعاد نفسية واجتماعية
د. فالح القريشي، أستاذ التربية وعلم النفس، تحدث لـ “الشبكة العراقية” عن الآثار والبعد النفسي والاجتماعي لطبيعة التواصل بين العائلات والناس في الأعياد، مع هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، قائلا: “وسائل التواصل الاجتماعي لها أثرها في الاحتفال بعيد الفطر وغيره من الأعياد، منها قلة التواصل المباشر مع الأهل والأصدقاء والأقارب، ما أدى إلى جفاف عاطفي، باصطناع المودة والألفة والاحترام عبر الرسائل والفديوهات وكارتات التهنئة، كارتات تتضمن عبارات مجاملة وكلمات جاهزة، خالية من الحيوية والمودة، لا تعوض حرارة اللقاء الذي بدأ بالاختفاء، ليحل محله العالم الرقمي الذي هيمن على علاقاتنا.”
ذاكراً أنه، وبالرغم من إيجابيات مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقاته بين العائلات والأقارب، الذين تفصلهم مسافات وبلاد بعيدة، إلا أن أجواء العيد القديمة التقليدية المليئة بالأفراح لم تعد حاضرة كالسابق، وصولاً إلى صناعة المعجنات (الكليجة)، والكيك، وغيرها من الحلويات التي تفرح الأطفال، إذ تغيرت تسميتها إلى (المعمول) وصارت تطلب بكميات جاهزة عن طريق الـ (دلفري)!
تواصل إلكتروني
صفاء صلاح، شاب يعتمد على تهاني العيد الإلكترونية من خلال تصميمها، كونه صانع محتوى، ويعمل مصمماً جرافيكياً، شارك معنا برأيه، إذ قال: “التواصل الإلكتروني أصبح جزءاً من حياتنا اليومية، وقد أثر في شكل ونوعية العلاقات الاجتماعية. شخصياً تسبق معايدتي للأهل والأقارب والأصدقاء وجهاً لوجه، معايدتي الإلكترونية على منصات التواصل الاجتماعي، فأنا أجتهد في تصميمها بحكم عملي في مجال التصميم.” موضحاً أنها قد لا تحمل نفس الإحساس الفردي والمباشر الذي يقدمه الاتصال المباشر أو اللقاء، ما يعيق التلقائية والرد الفوري، ولربما تقابل بالإهمال والرد القصير جداً، الذي ينتهي بوضع (إعجاب أو قلب)، من دون أية كلمة تذكر. مضيفاً: “من جانب آخر، هناك ميزة قد لا يلاحظها الجميع في التهنئة الرقمية، كونها تصل إلى أبعد نطاق ممكن، وتعيد إحياء الدردشات والتواصل القديم مع من ضاع التواصل معهم في صندوق الرسائل المكتظ.” مشيراً “نحن لم نبتكر التهاني التقليدية، بل وجدناها في سياق وشكل يسبق عصر التكنولوجيا وعالم منصات التواصل الاجتماعي، التي أضافت إلينا فضاءات جديدة، أنتجت أسلوباً وسياقاً معينين في التعامل مع المناسبات والأعياد.”
لافتاً إلى ضرورة صياغة توليفة جيدة بين التقاليد والتكنولوجيا، لأن الناس تعتز بتقاليدها وتستخدمها في التواصل والتعبير، حتى في المناسبات، فبعضهم يرسل أدعية، أو أشعاراً، أو مقاطع من وحي التقاليد والعادات المعاصرة بطابع حديث وممتع. منوهاً بعدم إمكانية الفصل بين التقاليد والتكنلوجيا، كون الأخيرة وسيلة واستخدام لإظهار هذه التقاليد والتعبير عنها، عبر التكنولوجيا والتقنيات الحديثة.
صوت وصورة
مازن جعفر القصاص، من المغتربين الذين يذكرون نعمة مواقع التواصل الاجتماعي في معايدة أهلهم وناسهم، عبر الاتصال بالصوت والصورة، وكأنهم بينهم، عاداً إياها نعمة ورحمة لم تكن موجودة منذ سنين، حين حرم من أهله والتواصل معهم.
بين تباين الآراء ممن يعتبر أن التهاني الإلكترونية تسرّع وتسهّل عملية التواصل، وآخر يراها تسلب العيد نكهته الحقيقية، تبقى عملية التواصل مع الأهل والأقارب ضرورة وواجب أخلاقي، باعتبارها أهم طقس للعيد تتمايز فيه عن بقية أيام السنة.