احتفالات العراقيين بالربيع تلوين البيض أو كسره وامتناع عن الطعام!

9

ريا محمود

في العراق، لا يُعد الربيع مجرد فصل عابر، بل لحظة تتجدد فيها الحياة، ومعها يتجدد إرثٌ من التقاليد والاحتفالات التي تمتد جذورها إلى أعماق التاريخ. ومع كل اعتدال ربيعي، تبدأ دورة جديدة من الأعياد والمناسبات، حين تتلاقى أساطير الأجداد مع طقوس الحاضر في مشهدٍ يُبرز التنوع الثقافي والديني لهذا البلد العريق.
يبدو أن طقس البيض، برغم جذوره العميقة، ما زال يحظى بمكانة خاصة في العراق الحديث. ففي كل مرة تُكسر بيضة، أو تُلون احتفالاً، يتكرر صدى هذه العادات المتوارثة من الأسلاف والمرتبطة بطقوس الخصوبة، وموروثاتنا الشعبية.
درء الشر
يظهر الموروث الشعبي أن العراقيين لا يزالون يمارسون عادات قديمة مرتبطة بالبيض، مثل كسر بيضة عند شراء سيارة جديدة أو جهاز كهربائي، لدفع الحسد ودرء الشر. هناك من يرى في هذه العادة بقايا من طقوس القرابين التي كانت تُقدَّم للآلهة القديمة، يراها آخرون أنها مجرد عادة موروثة تُمارَس من باب التقليد، مثل دحرجة البيض على الأرض في محاولة لمحاكاة حركة الحياة والطبيعة المتغيرة، أو كسرِهِ كدلالة ورمز للتضحية بشيء صغير لحماية ما هو أكبر وأهم.
ولا تقتصر عادة كسر البيض على طائفة محددة من العراق، بل يمارس غالبية سكان العراق هذه العادة، كنوع من أنواع الأضاحي والقرابين لشكر الله على نعمه ودرء وإبعاد النفَس السيئ.
عادة شعبية
الشاعر علاوي كاظم كشيش، من كربلاء، تحدث لـ (الشبكة العراقية) قائلاً: “أحرص دائماً على كسر بيضة لكل حاجة جديدة أشتريها للبيت، وأحياناً أقوم بذبح دجاجة، هي عادة شعبية، نعم، لكني أفهمها على أنها بقايا من تقديم القرابين إلى الآلهة القديمة توارثناها واستمرت، ومع هذا، فإني أجد نشوة عميقة في هذا الطقس، بغض النظر إن كان شعبياً أم دينياً، وهذا يعني أنه يمتلك عمقاً نفسياً وليس عقائدياً، وسوف أستمر على تأديته بعيداً عن القناعات الشائعة، مثل طرده الحسد أو سواه، المهم أن أجد نشوتي من خلاله بلا تفسيرات ولا تسويغات.”
فيما أكدت الصحفية غادة بطي، استمرارها بكسر البيض عند شراء أي شيء جديد للمنزل، وحرصها على استمرار هذه العادة على الرغم من بعدها عن الوطن، كنوع من التأكيد على الهوية العراقية.
(أكيتو) عيد الخصب
في عيد (أكيتو)، الذي يُحتفل به في الأول من نيسان، كان العراقيون القدماء يرحبون بالربيع كفصل للخصوبة والنمو، إذ يعُدّ من أقدم الأعياد في العالم، ويعود تاريخه إلى نحو 2000 عام قبل الميلاد. كان الاحتفال به يستمر 12 يوماً، تُقام فيه طقوس دينية في معبد الإله مردوخ، عبر مسيرات واحتفالات عامة، وكان البيض الملون في هذا السياق يمثل رمزاً للبداية والحياةالجديدة، إذ تصبغ العائلات البيض باستخدام نباتات طبيعية، مثل قشور البصل الأحمر والكركم والشوندر، في إشارة إلى الألوان الزاهية، التي تعكس أمل الإنسان القديم بموسم زراعي خصب.
وبالرغم من اندثار هذه الطقوس في شكلها القديم، إلا أن المسيحيين الآشوريين، والكلدان، ما يزالون يحتفلون بعيد (أكيتو) بفعاليات ثقافية وتجمعات عائلية تُعيد إحياء تراثهم.
بيضٌ ملون
لا يمكن الحديث عن أعياد الربيع دون التوقف عند عادة صبغ البيض، التي وإن بدت في ظاهرها بسيطة، إلا أن جذورها تعود إلى عصورٍ ضاربة في القدم، إذ يُروى أن البابليين كانوا يلونون البيض كرمز للخصوبة وبداية دورة جديدة للحياة. وبوجود المكون الكردي، وجد تقليد صبغ البيض طريقه إلى عيد نوروز الذي يوافق 21 آذار، حيث يُقدَّم إلى جانب المأكولات الأخرى كرمزٍ للتجدّد والانبعاث.
أما لدى المسيحيين، فقد ارتبط البيض المصبوغ بعيد الفصح، إذ يمثل البيض المقشّر رمزاً للقيامة والخلاص، وفي القرى الآشورية والمسيحية في سهل نينوى، مازالت العائلات تتفنن في صبغ البيض برسوم نباتية وزخارف مستوحاة من الزهور البرية.
الدكتورة بان اللوس، تحدثت عن طرق تلوين البيض في عيدي (أكيتو) والفصح، إذ قالت: “نصبغ البيض في هذين العيدين، في السابق كنا نستعمل موادَّ طبيعية كقشور البصل الأحمر، وغليها مع البيض الأبيض، ليكتسب البيض لوناً مائلاً إلى الأحمرار، كما نستعمل أيضاً الكركم، وشاي الكجرات، والشوندر، وغيرها من المواد الطبيعية، فضلاً عن استخدامنا هذه الأيام تقنيات معاصرة لتزيين بيض عيد القيامة. ”
مأدبة الرزق
أما في الجنوب والوسط، فيحتفل بعيد (دورة السنة) في 21 من آذار من كل عام، بإقامة مأدبة تحمل من البياضات سبعة أشكال، ويزرع الأطفال الحبوب من الحمص والفاصولياء في قوارير فخارية ليزينوا بها صينية (دورة السنة). كما أنهم يعلقون سمكة عند عتبة المنزل لجلب الرزق، كما يلونون البيض ويصبغونه. تذكر الدكتورة خنساء التكمجي ذلك قائلة: “حرصت على تلوين البيض مع جدتي في (دورة السنة) من كل عام في نوروز.”
في حين أشارت عذراء الموسوي، إلى أنهم يقومون بكتابة أسمائهم على البيض، حين تقيم والدتها وعمتها صينية (دورة السنة)، للرزق والبركة.
عيد الأم
يتزامن عيد الأم، الذي يحتفل به العراقيون في 21 آذار، مع بداية الاعتدال الربيعي، في دلالة رمزية على أن الأم هي أصل الحياة والتجدد. في هذا اليوم، تُقدَّم الهدايا والورود تكريماً لعطائها، فيما يحرص الكثيرون على زيارة أمهاتهم وأقاربهم، كنوعٍ من ردّ الجميل والاعتراف بالدور المحوري للمرأة في استمرارية الحياة.
الأيام البيض
وفي فصل الربيع يحتفل الصابئة المندائيون أيضاً بعيد (البرونايا)، الذي يُعرف بـ(الأيام البيض). خلال هذا العيد، تُقام طقوس التعميد في مياه الأنهار الجارية، كرمزٍ للنقاء والتطهر الروحي. في هذه الأيام، يصوم المندائيون خمسة أيام، يطلق عليها (البنجة)، ومن بعد أيام الصيام، تُضاء المصابيح في البيوت كدلالة على النور والخير، بينما تُحضر أطعمة نباتية خاصة تعبيراً عن الطهارة والانسجام مع الطبيعة، وتذبح الذبائح التي تعمَّد بالمياه، ويكثرون من أكل السمك للتبرك، وشكر الله على نعمه.
الأربعاء الأحمر
مع نهاية كل فصل شتاء، يحتفل الإيزيديون بعيد الصيام، الذي يتوّج ثلاثة أيام من الامتناع عن الطعام والشراب حتى غروب الشمس، ويُحتفى بالعيد الذي يدعونه (سه رسال)، في منتصف نيسان، عيد رأس السنة الإيزيدية، ويُعرف أيضاً بـ (عيد الأربعاء الأحمر)، حين تُمارَس طقوس تشمل تزيين البيض وصبغه بألوان زاهية، ترمز إلى تنوع الحياة وتجدد الطبيعة، إذ يرتبط البيض لديهم بأسطورة خلق الأرض.
عيد الفطر
أما عيد الفطر، فيأتي بعد شهر رمضان ليجمع العائلات العراقية في أجواء من الفرح والتآزر. ويُعد هذا العيد فرصة لصلة الأرحام وتوزيع الصدقات، كما تنتشر الحلويات التقليدية، تتقدمها (الكليجة)، في مشهدٍ يُذكّر بارتباط هذه المناسبات بقيم المحبة والتكافل الاجتماعي، ويصادف هذا العام 2025 أن يوافق عيد الفطر مع أعياد الربيع العراقية.
وهكذا.. بين أعيادٍ تستمد جذورها من حضارات وادي الرافدين القديمة، وأخرى حديثة ترتبط بقيم الأسرة والمجتمع، يعيش العراقيون موسم الربيع كاحتفالٍ بالحياة ذاتها، وكما تتفتح الأزهار وتتجدد الحقول، يُزهر الأمل مع كل عام، ليؤكد العراقيون أن تنوعهم سرّ صمودهم، وأن ألوان البيض المصبوغ ليست سوى رموزٍ بسيطة لعراقة هذا البلد وتاريخه الحافل.