
(كنز النمرود).. من آشور إلى المتحف الوطني
ريا عاصي
في قلب العراق، حيث التلال وهي تشهد على تاريخ طويل من التفاعل الحضاري، يقع موقع النمرود، الذي يُعد واحداً من أبرز الاكتشافات الأثرية في العالم، خلال منتصف القرن التاسع عشر، وفيه اكتشف عالم الآثار الإنجليزي (أوستن هنري لايارد) مدينة النمرود ليُضيء عالماً غارقاً في أسرار لا حصر لها.
شهد هذا الموقع مع مرور الزمن تنقيبات متعددة من فرق علمية عراقية وأجنبية، حينها جرى الكشف عن العديد من المعابد والقصور واللقى الاثرية ، كان أبرز ها (كنز النمرود الذهبي)، الذي أثبت عظمة الحِرفية الآشورية.
أصل الحكاية
في عام 1845، بدأ (لايارد) أعمال التنقيب في موقع نمرود، ليكتشف جزءًا من تاريخ مفقود يعود إلى أكثر من 2800 عام. لكن مع تقدم الزمن، بدأت تظهر معالم المدينة بشكل أكثر وضوحاً، خاصة بعد إجراء التنقيبات العراقية الأولى في الخمسينيات بقيادة الآثاري العراقي بهنام أبو الصوف. من ثم استمرت الحفريات لتكشف عن المزيد من القصص المخفية تحت الأرض.
الكنز الذهبي
بين عامي 1956 و1959، قاد (أبو الصوف) أعمال التنقيب في القصر الشمالي الغربي للملك آشور ناصربال الثاني، بينما تولى ميسر سعيد، التنقيب في الموقع خلال فترة 1969 إلى 1970، وكذلك من 1975 إلى 1977. إلا أن الاكتشاف الأكثر إثارة جرى في عام 1988، حين تمكن الفريق العراقي بقيادة مزاحم حسين من العثور على كنز النمرود الذهبي، الذي كان مدفوناً في مدافن ملكات آشور تحت القصر الشمالي الغربي.
إرث الآشوريين
يتألف الكنز من نحو 45 كيلوغراماً من المصوغات الذهبية، ويحتوي على نحو 650 قطعة متنوعة من المجوهرات والأدوات، تشمل تيجاناً ملكية، وأساور مرصعة بالأحجار الكريمة، وأقراطاً، وقلائد فاخرة. كما يتضمن أواني ذهبية مزخرفة بدقة. القطع الذهبية كانت مدفونة مع ملكات آشوريات، ما يشير إلى أهمية هذه الشخصيات في المجتمع الآشوري. كل قطعة من هذا الكنز تحمل قصة، وتدل على مهارة صانعيها وثراء الإمبراطورية الآشورية في تلك الفترة.
عانى (كنز النمرود) من مصير معقد منذ اكتشافه. فخلال حرب الخليج الثانية عام 1991، أُخفيت المصوغات الذهبية في خزائن البنك المركزي العراقي لحمايتها، بينما نُقلت القطع الأثرية النادرة إلى أحد ملاجئ بغداد المحصنة ضد الضربات النووية. وبعد الغزو الأميركي عام 2003، ساد اعتقاد بأن الكنز قد سُرق أو تعرض للتلف، إلا أن المفاجأة كانت كبيرة في عام 2004عندما جرى اكتشاف أنه سليم.
قاعة خاصة
لم تقتصر الجهود على استرداد الكنوز فحسب، بل شملت أيضاً عرضها في المتحف العراقي. في خطوة تعكس العناية الكبيرة بالتراث العراقي، إذ وجه رئيس مجلس الوزراء، المهندس محمد شياع السوداني بتخصيص قاعات حصينة لحفظ الكنوز الآثارية، إذ سيجري عرض هذه القطع الثمينة في قاعات خاصة داخل المتحف، التي جهزت بمواصفات علمية لحمايتها واستعراضها أمام الزوار.
تاريخ عريق
يعد كنز النمرود أكثر من مجرد مجموعة من القطع الذهبية الفاخرة. إنه جزء من تاريخ عريق يمثل نهضة فنون وعلم الحِرَف، في واحدة من أعظم حضارات العالم القديم. عودة هذه القطع إلى المتحف العراقي ليست فقط استعادة لتراث العراق الثقافي، بل هي أيضاً رسالة عن أهمية الحفاظ على تاريخنا في وجه التحديات. إن هذا الكنز شهادة حية على عظمة الحضارة الآشورية وعلى صمود العراق أمام الزمن.
في النهاية، فإن (كنز النمرود)، الذي يُعرض اليوم في المتحف العراقي، يمثل أكثر من مجرد قطع أثرية ثمينة، إذ إنه رمز للهوية الثقافية العراقية، وأمل في أن تظل جذور هذا التاريخ العميق حيّة في الذاكرة الجمعية للعراق وللعالم .