
(إسرائيل) ترامب.. تحالف فوضى يهدد التجارة والاقتصاد العالمي
زياد الهاشمي
عاد الكيان الصهيوني لممارسة سلوكه المعهود في إشعال نيران الحروب في منطقة الشرق الأوسط، وهذه المرة من خلال نقض اتفاق وقف إطلاق النار مع الجانب الفلسطيني، وبدء عمليات قصف جوي مكثف استهدفت الشعب الفلسطيني المقاوم في غزة، ما أسفر عن ارتقاء العديد من الشهداء.
لايزال النزيف مستمراً في ظل برود إقليمي وصمت دولي. هذه الحالة من التصعيد العسكري الصهيوني المتكرر والإصرار على تخريب الاستقرار في هذه المنطقة تُنذر بتداعيات وخيمة لا تقتصر على الجانبين الأمني والإنساني في مناطق الصراع العربي، بل تتعداهما لتطال بنيرانها الاقتصادات الغربية التي تئن أساساً من وطأة القرارات الاقتصادية القاسية التي فرضها الرئيس الأمريكي ترامب على الشرق والغرب منذ عودته لسدة رئاسة البيت الأبيض.
تعميق الأزمات
عودة حالة الحرب وتوسعها في منطقة الشرق الأوسط وسياسة الأمر الواقع، التي تريد (إسرائيل) فرضها، وبدعم خالص أمريكي، ستسهم بشكل مباشر في توتر الأجواء وعودة حالة الإرباك في أمن الشرق الأوسط، المنطقة التي تعد شريانًا حيويًا للتجارة العالمية. فهذا التلاعب بالاستقرار يهدد بتعطيل سلاسل التوريد، ورفع أسعار الطاقة، وتعميق الأزمات الاقتصادية في الغرب، نتيجة توسع رقعة العمليات والعمليات المضادة، وتحول مسارات النقل الدولي بعيداً عن المسار الأفضل والأسرع والأرخص عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر فقناة السويس، وانتقالها إلى المسار الأطول حول رأس الرجاء الصالح في آخر نقطة في جنوب إفريقيا.
طول المسارات هذا لن يسبب ارتفاعاً في كلف النقل والتأمين فحسب، بل يتسبب كذلك بتعثر سلاسل الإمداد الممتدة من آسيا حتى الأسواق الغربية. هذا الوضع يؤكد حقيقة أن الأسواق الأوروبية والأمريكية، تعتمد بشكل كبير في ديمومة واستقرار نشاطاتها الاقتصادية على عوامل عدة، ربما أهمها هو حاجتها لصيانة أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط، لضمان استمرار تدفقات التجارة العابرة، وعكس ذلك ستجد تلك الاقتصادات نفسها أمام خسائر فادحة، فالزبائن في تلك الأسواق، سواء كانوا أفرادًا أو شركات، سيعانون من ارتفاع التكاليف وشحة في المواد وانخفاض القدرة الشرائية، في وقت تكافح فيه الحكومات الغربية لاحتواء التضخم والبطالة.
إجراءات مشددة
الاقتصادات الأمريكية والأوروبية تعاني أصلاً من تبعات القرارات الاقتصادية القاسية التي اتخذتها إدارة دونالد ترامب، التي دفعت هذه الاقتصادات إلى حافة الركود. فقد شهدت بداية عودة الرئيس ترامب للبيت الأبيض فرض إجراءات مشددة وواسعة، أهمها الرسوم الجمركية التي من المخطط فرضها على ورادات السلع من دول الاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك، التي أثارت الكثير من الجدل سواء داخل الولايات المتحدة وحتى خارجها، حيث اعتبرت الكثير من الدول أن هذه الرسوم بمثابة ليّ ذراع يتطلب إجراءات مقابلة، وهذا ما حصل فعلاً عندما أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، عن إجراءات مضادة بقيمة 26 مليار يورو ضد المنتجات الأمريكية، أدت إلى اضطرابات في الأسواق المالية داخل الولايات المتحدة، حيث شهد مؤشر “ستاندرد آند بورز” انخفاضًا بنسبة 6 % منذ تولي ترامب منصبه وخسارة كبار رجال الأعمال الأمريكان ما يقارب نصف ترليون دولار منذ بداية إدارة الرئيس ترامب الجديدة، والتأثير على النشاط الاستثماري في أكثر من قطاع، ولاسيما قطاعات النقل والتجزئة، وهذا ما دفع العديد من الخبراء الاقتصاديين للتحذير من أن حالة عدم اليقين هذه قد تبطئ الاقتصادات بشكل كبير وتدفعها نحو الركود. من جانبها خفضت منظمة التعاون والتنمية الدولية توقعاتها للنمو الاقتصادي العالمي، مشيرة إلى أن إجمالي الناتج المحلي في منطقة اليورو سينمو بنسبة 1.8 % في 2025، مقارنة بتوقعات سابقة بلغت 2.1 %..
تفاقم الخسائر
وفي خضم هذا الوضع الهش، يأتي الكيان الصهيوني ليفاقم الأزمة عبر سياساته العدوانية ويعيد فتح الجراح في غزة ويسهم في تخريب الاستقرار الإقليمي، ويعيد تفعيل حالة الحرب في المنطقة وبدعم وتأييد مطلق من قبل إدارة الرئيس ترامب، وإذا ما استمر السماح للعدوان الصهيوني بالتمادي دون قيود، فإن ذلك يعني فتح الباب أمام المزيد من الفوضى الاقتصادية والضربات القاصمة التي ستصيب الاقتصادات الغربية.
هذا التمادي الصهيوني من المفترض انه قد نبه الدول الغربية، ولاسيما الأوروبية منها بضرورة وضع حد لهذه الغطرسة الصهيونية، على الأقل لحماية اقتصادات تلك الدول من آثار العبث الذي تجدد اليوم مرة أخرى في هذه المنطقة، فالشرق الأوسط ليس مجرد ساحة صراع، بل منطقة حيوية ترتبط مصالح العالم بها، وأي عبث بأمنها سيكون له ثمن باهظ تدفعه الشعوب والحكومات على حد سواء. لذا، فإن وقف التهور الصهيوني ليس خيارًا، بل ضرورة ملحة لإنقاذ ما تبقى من استقرار اقتصادي عالمي، فالخسائر الاقتصادية المتوقعة نتيجة هذا التهور لن تكون مجرد أرقام عابرة، بل ضغوط هائلة على الحكومات الغربية التي من المفترض أن تستيقظ من غفلتها. فالاستمرار في دعم الكيان أو السكوت عن عدوانه يعني تعميق عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وبالتالي تفاقم الخسائر الاقتصادية في الغرب. الحكومات الغربية مدعوة اليوم للتحرك العاجل للضغط على الكيان الصهيوني من أجل وقف عدوانه وإعادة الاستقرار إلى المنطقة. فالعلاقة بين استقرار الشرق الأوسط وصحة الاقتصادات الغربية ليست مجرد افتراض، بل حقيقة تاريخية أثبتتها الأزمات السابقة.