هــــل كان المتنبي لصاً؟

8

خضير الزيدي
لا أحد من متذوقي ونقاد الشعر القديم ينكر، أو يتجاهل، الدور المهم الذي قدمه (المتنبي) في الشعر العربي، ومازالت ذاكرة أجيال كثيرة تحتفظ بقصائده، وتعرف كيف كانت تلك النصوص مليئة بالفخر والانتساب والخصومات المتلاحقة والهجاء لترافق حياته وموته.
لكن اللافت، ونحن نعود إلى مصادر التراث النقدي العربي، هو أننا سنجد أن الكثير من النقاد العرب أخذوا على عاتقهم الإشارة إلى ما أسموه (سرقات المتنبي)، من بينهم الصاحب بن عباد، وابن وكيع، والعميدي، بينما وقف بالضد من أولئك نفر ممن أنصفوه واهتموا بدراسة شعره، بعيداً عن اتهامه بالسرقة، بل وقفوا معه بشكل لافت، مثل القاضي الجرجاني، والثعالبي، والحضرمي، والتساؤل المطروح اليوم، ما دور النقد الحديث من هذه الظاهرة؟ وكيف ينظر نقادنا المعاصرون إلى أشعار أبي الطيب المتنبي؟
سرقات شعرية
يلفت انتباهنا الباحث حسين خلف صالح الحلو، في كتابه الموسوم (السرقات في شعر المتنبي)، بين المعايير النقدية، وتحامل المؤلفين، إلى مسائل عدة تخص شعرية ومنزلة المتنبي.
يقع كتابه على تمهيد وثلاثة مباحث، يتناول المعنى اللغوي والاصطلاحي للسرقة، وكيف رآها القدماء والمحدثون، ومن هي الأسماء التي أشارت واتخذت موقفاً مضاداً للمتنبي، بالإضافة إلى نقاد أنصفوا تجربته، واستحسنوا قصائده، ليصلوا إلى نتيجة رأوا فيها أن السرقات الشعرية موجودة منذ بدايات النشأة، وأن هذا المصطلح لم يقصد منه الإساءة، وإنما اتفاق يعبر عنه الآخرون، الذين يكتشفون الثغرات في الشعرية بين هذا الشاعر وذاك.
شاغل العقول
المؤلف ينبهنا أيضاً إلى حساسية كلمة السرقات، فمنها ما يقع بشكل مباشر ليصلح نعته بالسرقة، ومنه ما لا يمكن إطلاق الوصف عليه. وينصف المؤلف، الدكتور حسين الحلو المتنبي، بوصفه الأخير، كأحد شعراء العربية، ولقد ذاع صيته وشغل عقول الآخرين، جراء أهمية ما أنجزه من قصائد، جعلت النقاد ينقسمون فيما بينهم إلى مؤيد ومعارض، ومن المفيد الإشارة هنا، إلى أن أشد المناوئين للمتنبي لا ينكرون فضله، وحتى بروز اسمه بين مجايليه من الشعراء. إذاً، من أين استقى شاعرنا المتنبي معانيه وجمله الشعرية؟ ولماذا هذه التهمة؟
مقاربات الألفاظ
في المبحث الثالث من كتابه، ينبه (الحلو) القارئ إلى أن ليس كل ما نسبه النقاد إلى المتنبي سيعد سرقة، ويعزو الأسباب إلى أن المقاربات في الألفاظ قد تأخذ مدىً موسعاً من التقارب، التي أشار لها النقاد كسرقة شعرية، أو ربما تكون المعاني فيها عامة، وتتكرر بين عامة الناس أو الشعراء، كما أوضح الباحث مدى التقارب بين المتنبي وأبي تمام، الذي أدرجه في كتابه الموسوم بـ (السرقات في شعر أبي الطيب)، مستشهداً بأكثر من بيت، مثل قول أبي تمام في المديح:
“تعوّد بسط الكف حتى لو أنه … دعاها لقبض لم تطعه أنامله”
ليعود يذكرنا بقول المتنبي:
“وفي الحرب حتى لو أراد تأخراً … لأخره الطبع الكريم إلى القدم”
وأيضاً، يبين نماذج ساقها النقاد القدماء حول هذه الظاهرة، كقول أبي تمام:
“غريب العلا عن كثرة الأهل ….. فأضحى في الأقربين جنيبا،
فليطل عمره فلو مات في مر …… ومقيماً بها لمات غريبا”
بينما قال المتنبي:
“وهكذا كنت في أهلي وفي وطني…. إن النفيس غريب حيثما كانا”
نقاد قدماء
أما أبو منصور الثعالبي فقد ذكر الكثير من الملاحظات التي تخص سرقة المتنبي، إذ أفرد صفحات عن الموضوع.، المؤلف (الحلو) ذكر أن الثعالبي يتبع طريقة الأسدي والقاضي الجرجاني في تبيان السرقات، كونها ليست من المعاني المشتركة، مبيّناً ما ذُكر من قبل النقاد القدماء، كقول بشار:
“كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ….. وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه”
ويشير الثعالبي هنا إلى بيت أبي الطيب، مذكراً بأن المتنبي أورد الرماح بدلاً عن الأسياف.
“وكأنما كُسيَ النهار به دجى …. ليل واطلعت الرماح كواكبا”
ولعل اللافت في الكثير من القراءات النقدية، ما يشير إلى أن المتنبي اقتبس معانيه وأفكاره من مآثر الحكم عن أفلاطون وأرسطو وأبيقور، ودافع عن هذه التهمة الدكتور أحمد أمين في أكثر من موضع، فهل كان صاحب هذا البيت الجميل:
“تريدين إدراك المعالي رخيصة ….. ولا بد دون الشهد من إبر النحل”
أم أن هناك من الحاسدين من لا يحب أن يعلو صوت المتنبي أمامه. ولكن من أجل أن ننصف الشعراء الآخرين، علينا أن نضع شواهد المقاربات الشعرية أمام القارئ اللبيب، ليتخذ قراره بنفسه.
امثله من أبيات المتنبي مع غيره من الشعراء.
يقول المتنبي:
“وما حاجة الأضعان حولك في الدجى …. إلى قمر ما واجد لك عادمه”
يقول البحتري:
“اضرب بضوء البدر والبدر طالع …. وقامت مقام البدر لما تغيبا”
يقول المتنبي أيضاً:
“محبك حيثما اتجهت ركابي …. وضيفك حيث كنت في البلاد”
وقل البحتري:
“وما سافرت في الآفاق إلا …. ومن جدواك راحلتي وزادي.”