رحلة (ربشتين) السينمائية مع الرواية

14

فراس الشاروط 
(أورتو ربشتين)، عجوز مكسيكي، مخرج بنكهة خاصة، مولع بالرواية، لذا جاءت معظم أفلامه بالاستناد إلى روايات معروفة. ورحلة ربشتين مع الرواية العربية كانت مع رواية نجيب محفوظ (بداية ونهاية)، محققاً بها شهرة عريضة في مهرجانات دولية عديدة، ابتداء من برلين وكان، إلى لندن وتورنتو وقرطاج، حاصلاً بها على جوائز تراوحت بين البطولة الرجالية والنسائية والإخراج والموسيقى، إضافة إلى جائزة نقاد السينما (فبريسي) عام 1994.

لم تتوقف رحلته مع بداية نجيب محفوظ ونهايته، بل تعدتهما إلى إنتاج فيلم آخر مأخوذ عن رواية (زقاق المدق)، من إخراج (خورخي فونس)، الذي حقق به سابقة لم تحصل في تاريخ السينما المكسيكية، إذ حصل على جوائز لم يحصل عليها أي فيلم آخر، وصلت إلى ما يقارب الـ (50) جائزة بين عامي 1994 – 1995. الفيلمان المعدان عن روايتي محفوظ نقلا وقائع أحداثهما من ثلاثينيات القرن المنصرم في القاهرة إلى تسعينيات القرن في المكسيك.
يؤكد ربشتين أن سبب اختياره روايات محفوظ يعود لسببين رئيسين: أولهما هو ذلك الترابط والشبه الكبير بين القاهرة والمكسيك، (وقد لمس هذا الشبه حين زار القاهرة مع زوجته وكاتبة سيناريو أفلامه بيت الكاتب نجيب محفوظ للتعاقد معه في تحويل رواياته إلى أفلام مكسيكية)، وكذلك الهَم الإنساني الكوني للبشر الرازحين تحت هيمنة سلطة المدن وفوضاها. وثانيهما هو ولعه الخاص بفن الرواية وسعيه لتحويل هذه المنظومة الكتابية، التي يعشقها، إلى روايات سمعية مرئية.
رحلة سجين
بدأت الرحلة السينمائية / الروائية عام 1965، كان وقتها في الـ (21) من العمر عن سيناريو كتبه له اثنان من أبرع كتّاب الرواية في أميركا اللاتينية (غابرييل ماركيز وكارلوس فونتيس)، حمل عنوان (زمن الموت)، عن رجل يخرج من السجن بعد عقوبة (18) عاماً قضاها عن جريمة قتل ارتكبها. رحلة السجين في استعادة حياته المفقودة والعيش بهدوء مع حبيبته السابقة تتنغص بعودة الماضي، متجسداً بأبناء القتيل الساعين للأخذ بثأر الأب المغدور ودافعين بأمل الحياة إلى زمن الموت.
العام التالي سيكون فيلمه الثاني (ألاعيب خطرة)، المعَد أيضاً عن نص كتبه له (ماركيز) أيضاً، فيلم عن المواجهة، حينما يلتقي رجل الدعاية التلفزيوني الشهير، في طريق عودته، بالزوجين الشابين (كلاوديا ولويس)، اللذين توقفت سيارتهما لعطل أصابها، وبينما ينتظر لويس رافعة السيارة، يأخذ بطلنا الزوجة كلاوديا معه إلى بيت الزوجية. وبمرور حوادث عرضية يضطر بطلنا للاستماع إلى حكاية كلاوديا المجبرة على الزواج من لويس لإنقاذ ثروة أبيها، تستمر الرحلة مع الرواية، فيقدم عام 1968 فيلم (ذكريات الغد) عن رواية إلينا جارو، مقدماً فيها قصة الثورة المكسيكية في عشرينيات القرن الماضي، وفيلم (الأرملة السوداء) عن مسرحية (لابد من وجود أساقفة) للمكسيكي (رافائيل سولانا)، عن علاقة شائكة بين أسقف وربة بيت. ثم يستمد من الروائي التشيلي (خوسيه دونوسو) فيلمه التالي عن روايته (مكان بلا حدود)، حاصلاً من خلاله على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان سان سبستيان، واحتل الفيلم المركز التاسع في قائمة أفضل (100) فيلم في السينما المكسيكية.
بداية ونهاية
في الثمانينيات تبدأ رحلة “ربشتين” مع كاتبة السيناريو (باث أليثيا غارثيا دييجو)، التي ستصبح زوجته تالياً، بفيلم (إمبراطورية الحظ)، منطلقة بتقديم رؤية جديدة لرواية خوان رولفو (الديك الذهبي)، هذه الرواية سبق أن قدمت للسينما من قبل المخرج (روبيرتو جابلادين) عام 1964، اعتماداً على سيناريو كتبه (غابرييل ماركيز وكارلوس فوينتس).
في عام 1991 يقدم فيلماً مبنياً على قصة لـ(جي موباسان)، (الميناء)، عن سيناريو كتبته زوجته أيضاً، مازجاً قصة موباسان مع مسرحية ألبير كامو الشهيرة (سوء تفاهم)، مع بعض التحوير، فالابن هنا بحار يهبط في ميناء ليتعرف إلى امرأة تدير نزلاً مع ابنتها العاهر، فيقيم علاقة مع الابنة، لنكتشف فيما بعد أنها أخته، معتمداً في سرد الفيلم على رؤى مختلفة لشخصيات البحّار والأخت وصاحبة النزل. في عام 1993 يقدم (بداية ونهاية)، ومشرفاً على إنتاج فيلم (زقاق المدق)، ليعود مرة أخرى نهاية التسعينيات إلى عوالم رفيقه الأثير غابرييل ماركيز ليقتبس منه روايته (ليس لدى الكولونيل من يكاتبه)، عن ذلك الجنرال الذي ينتظر خطاب استحقاقه المعاشي (27) عاماً.
مع الألفية الجديدة، يذهب نحو النصوص المسرحية ليقدم بصورة عصرية روح (ميديا) الممزقة (هكذا هي الحياة)، بسيناريو مرة أخرى من يد زوجته عن نص (سنيكا)، حيث نرى الزوجة (جوليا) المخلصة لزوجها وولديها، ومشاركة له في أعباء الحياة بالعمل كممرضة في بيتها، وذات يوم يقع زوجها (نيكولاس) في هوى فتاة أصغر منها سناً، ابنة صاحب الدار، فينهار العالم الذي صنعته جوليا، بعد أن هجرها الزوج.
ثقافة مهجنة
(عذراء الرغبة)، رواية الكاتب الإسباني المولد، الألماني الأصل، المكسيكي الإقامة والكتابة (ماكس أوب)، تتحول إلى فيلم تكتب زوجته (جارثيا دييجو) السيناريو له، ليقدم فيلماً مثيراً، ومميزاً، عن أحداث في أربعينيات القرن الماضي بمدينة مكسيكية صغيرة، حول مجموعة من الإسبان الهاربين من حكم ديكتاتورية الجنرال (فرانكو)، بينهم الشاب الخجول (إجاناثيو خورادو)، الذى يعمل نادلاً في أحد المقاهي، لا يفعل شيئاً في حياته غير العمل والاستغراق بخياله مع مجموعة من الصور (البورنوغرافية)، حتى يلتقي بالغانية (لولا)، التي تقابل خجله بالمواجهة، فيصبح بالتدريج أسيراً لحبها، بينما تتعلق هي بمصارع يحتقرها، فلا يملك (إجناثيو) غير خياله ومجموعة اللاجئين عالماً يفر إليه.
(جارثيا دييجو) تعد له مرة أخرى عام 2006 سيناريو عن رواية الدومنيكاني بدرو أنطونيو بالديث (كرنفال سادوم)، فيلم عن الفساد والجنس والأخلاق وازدواجيتها داخل ثقافة مهجنة، تذكرنا كثيراً بأفلام الإيطالي ماركو فيريري. أما (نوازع القلب) فهو إعادة قراءة لرواية فلوبيير الشهيرة (مدام بوفاري)، حاول من خلالها تقديم صورة مغايرة للرواية عن كل ما شاهدناه من أفلام معدة عنها، حيث (إميليا) المحبطة من حياتها المتواضعة، بسبب فشل زوجها في العمل، وعدم إنجابها، ومحاصرة داخل بيت أشبه بزنزانة، تبحث عن أيامها الضائعة أمام المرآة لتكتشف زوال العمر، فلا تملك إلا أن تدخل في مغامرة عاطفية، دون أن تحقق أية سعادة، فتقرر الانتحار في النهاية.