ثقافة العنف اللفظي

15

حسن الكعبي
ترتبط ثقافة العنف اللفظي بالتنمر المنتج لظواهر اجتماعية خطيرة تقود إلى انتشار ظاهرة الإرهاب وتفشيها في الأوساط الاجتماعية، فالتنمر ينتج ردات فعل خطيرة، بل أخطر بكثير من فعل التنمر ذاته.
ومن شاهد فلم (الجوكر) بجزئه الأول، الذي تألق فيه الممثل (خواكين فينيكس) يقع على عمق المعالجة لهذه الظاهرة وما أنتجته من خراب.
الفكرة الأساسية للفيلم تدور حول شخصية (آرثر فليك / الجوكر)، الذي يحاول أن يعيل والدته المريضة، وأن يحقق حلمه في تقديم البرامج الكوميدية التي توفر جواً من السعادة الاجتماعية، لكنه يصطدم بالعوائق الاجتماعية، وبحالات التنمر ضمنها، والاعتداء عليه بالضرب والعنف اللفظي، ما يولد لديه ردات عنفية تدفعه للقتل والتحول إلى اختيار الجريمة كأداة دفاعية تحدث فوضى اجتماعية عارمة في مدينة (غوثام)، مسرح الأحداث. ولم يكن هذا الفيلم هو الوحيد الذي تناول بالنقد هذه الظاهرة السلبية، بل كان هنالك الكثير من المعالجات الفكرية والأدبية التي عملت على تشخيص سلبياتها.
فقد نبه الكاتب العراقي المغترب علي ناصر كنانة، في كتابه (الثقافة وتجلياتها) إلى هذا المعنى السلبي في تعميم هذه الثقافة، وضرورة مواجهتها بثقافة بديلة هي ثقافة التسامح والسلام، ويقترح، لإنتاج ثقافة السلام وتضميناتها الإنسانية، ضرورة مواجهة قوى إنتاج ثقافة العنف وبنائها المتماسك (المدعوم من قبل قوى لا تريد له أن يتهاوى، لذلك يتعين علينا أن نبني ثقافة سلام مؤهلة لخوض الصراع بأدوات قادرة على هدم ثقافة العنف بالكفاءة ذاتها).
إن مشكلة هذه النوعية من الثقافات التالفة، التي تؤسس للخراب الاجتماعي، لاتقف عند حدود الوسط الاجتماعي وحسب، بل إن المشكلة تعدتها إلى الوسط الثقافي الذي يفترض أن يكون بمنجاة من هذا المرض الخطير، بل إن دوره يقتضي معالجتها وإيجاد بدائل وحلول، طالما أن الثقافة تمثل ضمير المجتمع، لكننا بدأنا نشهد حالات خطيرة من التأسيس لثقافة العنف اللفظي والتعميم للشتيمة على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديداً الفيسبوك، الذي يفترض أنه حل معاصر لمشكلة عدم التواصل بين أفراد المجتمع، نتيجة للانشغالات التي فرضها إيقاع الحياة المعاصرة ومشكلاتها السياسية والاقتصادية، لكن ما بدأنا نشهده بدلاً من ذلك، نشر (بوستات) فيها الكثير من التطاول والاتهامات الخطيرة التي ترتكز إلى الشائعة بدون أن تستند إلى دليل أو برهان يمكن الركون إليه، والمثقف -كما هو معروف- هو ابن الأدلة والبراهين.
إن هذا النوع من الإنتاج الثقافي لا يمكن أن يندرج ضمن الجدل المثمر المفضي إلى التنوع الثقافي الخلاق، بل إنه أخطر عوامل إنتاج الإرهاب الفكري والثقافي، ويجب التصدي له ومقاطعته من خلال العمل على تعميم ثقافة تشيع مفاهيم السلام والمحبة والجدل المثمر الذي يستند إلى الأدلة والبراهين المنطقية في حالة الاختلاف الثقافي والفكري، ودون أن يجر الاختلاف إلى مساحة الاختلاف الشخصي الذي لا يعني أحداً، فهو يجب أن يكون محصوراً ومتوقفاً بين المختلفين، ودون إشراك الآخرين فيه.
شهد التاريخ العربي القديم والمعاصر أنواعاً من الاختلافات بين المثقفين، لكنها من نوعية الاختلافات المفيدة التي عملت على تطوير الثقافة وتنوعها، مثال الاختلاف بين ابن رشد والغزالي، فقد هاجم الغزالي أفكار ابن رشد ووضعها ضمن خانة الزندقة، لكن عندما صدر قرار إحراق مؤلفات ابن رشد كان الغزالي أول المعارضين لهذا القرار. وفي المشهد الثقافي المعاصر، شهدنا الجدل الكبير بين جورج طرابيشي ومحمد عابد الجابري، فقد هاجم طرابيشي مشروع الجابري في نقد العقل العربي، لكنه كان يكيل المديح له ويعتبره من المشاريع الفكرية المهمة والكبيرة في الثقافة العربية.
إن هذا التوجه نابع من وظيفة الثقافة التي يفترض أنها منظومة من القيم الإنسانية المتضمنة مفاهيم العدالة والتسامح وقبول الآخر المختلف واحترامه، التي يجب أن تحرر وعي الإنسان من أسر الأفكار الإقصائية، ومن أسر مركزية الذات واحتكار الحقيقة واحتكار المعنى، وجعل كل شيء يدور حول الذات، كفكرة اقصائية تقترن بالتمييز العرقي والفكري والسياسي وما إلى ذلك من أشكال التمييز، نظراً لمضمونها المتصلب، الذي يحول دون قبول الآخر على أساس إنساني.