نقّحه مُصطفى جَواد ونفّذ تخطيطاته خالد الرحّال وأكرم شُكري كتاب فيصل الثاني (“أساليب الدفاع عن النفس)”.. مفارقة العنوان والمصير

15

حسين محمد عجيل
لا تزالُ ملامحُ صُورةٍ تخطيطيّةٍ للملك فيصل الثّاني (2 أيّار 1935 – 14 تمّوز 1958م)، كانت مُنفَّذةً على أغلفةِ دفاترَ مدرسيّةٍ قديمةٍ لشقيقي الأكبر، عالقةً في ذهني إلى اليوم، خُصوصًا بعد أن أَسْطَرَتْها في الطُّفولة أحاديثُ حزينةٌ لأبي وأُمّي- رحمهما اللهُ- عن الملك الشّابِّ الّذي لم يُنْجِهِ أنّه سلَّمَ نفسَه للثّائرين من دُون مقاومةٍ، وعلى رأسه نُسخةٌ من المُصحف الشّريف.
عند اطّلاعي الأوّلي، بعدَ بضعة أعوامٍ، على محطّاتٍ من تاريخ العراق الحديث، تساءلتُ عن كيفيّة بقاء تلك الدّفاترِ مُتاحةً لطُلّاب المدارس من جيل شقيقي في مطلعِ ستينيّات القرن الماضي، وهي مرحلةٌ حُجِبتْ فيها تمامًا كُلُّ رُمُوزِ العهد الملكيِّ. ويبدو أنّ سُلُطات العهد الجمهوريِّ ارتأت- في إجراءٍ اتّسمَ بالحكمة- ألّا تُتْلِفَ العددَ الهائلَ من تلك الدّفاتر حفظًا للمال العامّ.
انبعثتْ هذه التّداعياتُ فجأةً من تلافيف الذّاكرة، وأنا أتصفّحُ في نهاية الجُزء الثّاني من كتاب كوركيس عوّاد المرجعيِّ: “مُعجم المُؤلِّفين العراقيّين في القرن التّاسع عشر والعشرين”، حين تسمَّرَتْ عيناي على كتابٍ بهذا العُنوان: “أساليب الدّفاع عن النّفس”، طُبِع بالقاهرة سنة 1951م، وهو من تأليف فيصل الثّاني.
نُسخةٌ أصليّةٌ
كثيرٌ من الأسى تُثيرُه مُفارقة العُنوان لملكٍ عاش يتيمًا منذ بُلُوغه الرّابعةَ، وقُتِل وأُسرتُه على نحوٍ صادمٍ بعد مُرُور شهرين على احتفاله بإتمام ربيعِه الثّالث والعشرين، في مُستهلِّ تحوُّلٍ سياسيٍّ قاده ضُبّاطٌ ثائرون، غيَّرَ مصيرَ العراق للأبد.
وفي مُحاولة البحث عن الكتاب، خشيتُ ألّا أجده في مكتباتِنا العامّة؛ لاعتيادِ أنظمةِ الحُكْم المُتعاقبةِ والمُتقاطعةِ مَحْوَ كُلِّ ما يسبقُها من الذّاكرة الجمعيّة، لذلك بدأتُ البحثَ في مكتبة المُتحف العراقيّ الّتي كان يُديرها كوركيس عوّاد مُنذ الثلاثينيّات، مُرجِّحًا حِفْظه نُسخةً منه، والمفاجأةُ أنّي وجدتُ نُسختَه الأصليّة قبل تقديمها للنّشر، وعليها إضافات وتعديلات بقلم الرّصاص. وتبيّن أنّ للملك شريكين في تأليفه، هُما الضّابطان بالحرس الملكيّ: الرّئيس الأوّل =(الرّائد حاليًّا)يُوسُف شفيق النّائب، والمُلازم الأوّل ماجد عبد السّتّار. ويبدو أنّ ما تبقّى من كُتُبٍ في القصرين الملكيّين “الزُّهُور”، و”الرِّحاب” قد انتقل إلى عُهدة مكتبة المُتحف العراقيّ بعد حدث 14 تمّوز 1958م، فحُفِظت هذه النُّسخةُ النّادرةُ فيها.
وقد دُوِّنَ على صفحة غلافها: “أساليب الدِّفاع عن النَّفْس، المُؤلّفون: فيصل، يُوسُف، ماجد. حُقوق الطَّبْع محفوظة للمُؤلِّفين”. أمّا في الطّبعة الرّسميّة الّتي صدرت بالقاهرة سنة 1951م، فقد أُضيف تحت هذه البيانات: “طبعة خاصّة على نفقة الأمانة العامّة لجامعة الدُّول العربيّة، مطبعة مصر شركة مُساهمة مصريّة”.
وأهدى فيصل الثّاني الكتابَ إلى جدّه عميد الأُسرة الهاشميّة وملك الأردن آنذاك، عبد الله بن الحُسين (وهو شقيق جدّه فيصل الأوّل)، واصفًا الكتابَ بأنّه “أوّل ثمرة من ثمرات جُهدي الأدبيّ والرّياضيّ”. وقبل نشره بالقاهرة طُبعت منه خمسون نُسخةً أوّليّةً نُضِّدتْ في كُلّيّة الملكة عالية بإشراف عميدتها التّربويّة الرّائدة أَمَت سعيد، وزّعها فيصل الثّاني بين بعض المُلوك والأُمراء وكبار الشّخصيّات.
مُصطفى جَواد
وكان للغوي البارز الدكتور مصطفى جَواد، وهو مُعلِّم اللُّغة العربيّة للملك بين سنتي 1942 و1948م، دورٌ في تنقيح لُغة الكتاب، كشف عنه بعد عُقُودٍ أحدُ المُؤلِّفين الثّلاثة، وهو العقيد المُتقاعد يُوسُف شفيق النّائب (المولود بالحلّة 1918م)، ووثّقه الصّحفيُّ أحمد فوزي في كتابٍ صدر ببغدادَ سنة 1989م، قال النّائب: “كان كُلّ فصلٍ يُنجز من الكتاب، نترك بعده يومًا للاستراحة، ومن ثُمّ نعرضه على الدُّكتور مُصطفى جَواد، لتنقيحه، ومُلاحظة أُسلوب الكتاب، وسلامة اللُّغة العربيّة. والدُّكتور مصطفى يتسلم الفصلَ المُنجَزَ، ويأخذه إلى بيته لقراءته، ويُعيده إلينا بعد يومين، وعليه مُلاحظاتُه اللُّغويّةُ. وكان الدُّكتور مُصطفى جَواد يُبدي المُلاحظات بالحِبْر الأحمر، وبالسِّلّاية مشقًا، ثُمّ نقومُ بكتابة الفصل من جديد، بعد الأخذ بمُلاحظات الدُّكتور مُصطفى جَواد، ثُمّ نعرضها- بعد التّصحيح- عليه مرّةً ثانيةً، وبعد مُوافقته يُصبِحُ الفصلُ جاهزًا للطَّبْع. ونبدأُ بالفصل الآخر، ويجري عليه كما جرى على السّابقات”.
كما كان الفنّان التّشكيليّ المعروف خالد الرَّحّال يحضر جلسات العمل، لرسْمِ تخطيطاتٍ تشرحُ الحركاتِ، وساعده في ذلك التّشكيليِّ الرّائد أكرم شُكري، لكنّها بدت عاديّةً ولا ترتقي إلى سمعتهما الفنّيّة.
أساليب الجودو اليابانيّة
والكتاب مُكوَّنٌ من مُقدٍّمةٍ و14 فصلًا قصيرًا، تتضمّنُ شُرُوحًا مُعزَّزةً بالرُّسوم التّخطيطيّة لعددٍ مُماثلٍ من أساليب الدّفاع عن النّفس على وفق طريقة الجودو اليابانيّة. وركّز المؤلِّفون على أساليب التّخلُّص من طعنة الخِنجر، فشرحوها في أوّل خمسة فُصُول بحسب اتجاه الطّعن: من اليمين أو اليسار أو العموديّة أو التحتيّة، ثُمّ الطّعنة العامّة. تلاها أُسلوبان في كيفيّة التّخّلص من الضّربة على الرّأس والضّربة الجانبيّة، ثُمَّ أُسلوبان للتّخلُّص من محاولة الخَنْق، وأُسلوبٌ واحدٌ تناول ثلاثَ حالاتٍ تباعًا: العَضّ، الرَّفْس بأنواعه، والتّكتيف. وخصّصا آخرَ فصلين لأُسلوبي التّخلّص من التّهديد بالمُسدَّس من الأمام ومن الخَلْف.
مصير مأساوي
وأشاد المُؤلِّفون في تقديمهم بما امتازت به أساليبُ الجودو الدّفاعيّة “من خِفّةٍ وسُرعةٍ ومُباغتةٍ تنتزعُ من الخصْم عُنصرَ المُبادءة، وتتغلّبُ عليه بحركاتٍ ومَسْكاتٍ تشلُّ حركتَه وتجعله أسيرًا بعد أن كان مُهاجِمًا”، مُبيّنين ضرورتها لشباب العراق والبلاد العربيّة، “في عالَمٍ ضعفتْ فيه القِيَمُ والمبادئُ الرُّوحيّةُ السّاميةُ، وطَغَتْ عليه الرُّوحُ المادّيّةُ الجشعةُ”، مُشيرين إلى إدخالها في الدُّرُوس الحربيّة لبعض جُيوش العالم بعد انتباهها إلى فائدتها في القتال.
ولكن مثلما لم تنفع الجودو جيشَ اليابان من الاندحار في الحرب العالميّة الثّانية، لم يمنع اتقانُ الملكِ لأساليبِها الدّفاعيّةِ من مُلاقاة مصيره المأساويّ في ذلك الفجر التّمّوزيّ.