أور الحلم… المدينة… الأطلال

9

الناصرية/ صفاء ذياب
“أيتها المدينة، كان لك اسم، ولكنه تهدّم مع خرابك
أيتها المدينة، كانت جدرانك قائمة
لكنك أبِدتِ مع بلادك
يا مدينتي، مثل نعجة أمينة،
تم تمزيقك مع حملانك
يا أور، مثل عنزة أمينة،
تمت إبادتك مع جديانك
أيتها المدينة، أصبحت طقوسك
قوة العدو وزهوه
وإلى قوانين العدو، حُوّلت قوانينك.”
(من مرثية أور)
هل يمكن أن تقام مدينة ما بين يوم وآخر؟ بالتأكيد أن مجرد التفكير في بناء قطعة أرض صغيرة للعبادة، تحتاج إلى مدة تفكير طويلة.. وكما هو معروف مما وصل إلينا، فإن ما تبقى من التاريخ الرافديني كان نتاج حقبة ما بعد الطوفان، فهل قامت هذه المدينة من فراغ؟ وهل جرى التفكير بالمدينة بعد أن جاء الطوفان فقط؟
إن تحديد فترة حدوث الطوفان ما قبل 3000 ق.م يجعلنا نتأكد من أن المدينة السومرية كانت قائمة، حيث وجدت ألوف المقابر قبل هذا التاريخ بمئات أو ألوف السنين، إن صحّ التقدير، في بلاد سومر، أو في أور على وجه التحديد، تنبئ بالتقدم الحضاري والمدني الذي وصل إليه السومريون قبل الطوفان.
وهذا- بالضبط- ما دعا إلى إثارة الشك بأن السومريين سكنوا بلاد الرافدين قبل هذا الوقت، لأنه- حسبما يعتقد العلماء- هناك فجوة أو فترة انقطاع بين عصر العبيد (الذي سبق إنشاء المدينة السومرية وكان بحدود 4000 ق.م) والحضارة السومرية.
عراقيون أصلاء
يُعتقد أن من حق الباحثين أن يرتابوا، أو يرتبكوا، من فكرة أن سكان ما بين النهرين هم أول بناة مدينة في التاريخ. ولاسيما بعد اكتشاف أن السومريين أنشأوا حضارة يصعب تصديقها من نواحٍ عديدة، وهذا أدى إلى عدم إمكان الاعتراف بأن السومريين هم عراقيون أصلاً ونشأة. وما يجعلني أفكر في هذا الأمر هو تساؤل ملحّ: إن لم يكن السومريون من هذا الموطن (سومر وما حولها) فمن أين جاؤوا؟ للإجابة عن هذا التساؤل يجب علينا في البدء دراسة المناطق التي من المحتمل أن يكون السومريون قد قدموا منها، كبلاد السند أو بلوخستان، حسبما يقترح الدكتور سامي سعيد الأحمد. وهناك من العلماء من يحدّد أنهم جاؤوا من مناطق جبلية، لأنهم بنوا معابدهم على مناطق مرتفعة كالزقورات أو الأبراج المدرجة. ويعلق أستاذ السومريات، الدكتور فاضل عبد الواحد علي، على هذه الفرضية قائلاً: “هذا كلام عام، ولا يوجد شيء يؤيده إطلاقاً. الزقّورة بنيت بسبب الإشكال القائم، وهو عمق المياه الجوفية والفيضانات الكثيرة، ولاسيما أن الزقورات هي مناطق عبادتهم، أي معابدهم، وهي منطقة مقدسة وينبغي أن تُرفع أعلى من منسوب المياه، وإلا ضاعت كل هذه المقدسات في أيّ فيضان قادم، ولا ننسى أن بناء الزقورة كان من اللِّبن، وهناك قشرة من الآجر، وهذه المواد عرضة للدمار.”
تأريخ سومر
هذه الاحتمالات كلّها، وغيرها، جعلت العلماء يبحثون في أرض سومر وتاريخ السومريين عن المناطق التي جاؤوا منها، من دون النظر إلى الجانب الآخر، أي المناطق التي من المفترض أن تكون موطنهم الأصلي، وقد نقّب بعض العلماء في السند وبلوخستان، لكنهم لم يجدوا أي دليل يربط هذه المناطق بالسومريين. ومن ثمَّ بقيت ما تدعى بـ(المشكلة السومرية) قائمة حتى هذا الوقت. ولا أعرف لماذا يدخل العلماء في إشكاليات لا أساس لها- بحسب ما أظن-؟ ولماذا يحاولون سحب السومريين إلى منطقة خارج منطقتهم؟ هل لعدم وجود أقوام متحضّرة سكنت منطقة ما بين النهرين؟ أو لأن هذه المنطقة لا يمكن أن تكون مهد أولى الحضارات؟
رّقم طينية
من المعروف أن منطقة السهل الرسوبي (ما بين النهرين) منطقة ذات أرض رخوة، وهي كثيرة الفيضانات حتى وقت قريب، وذلك بسبب الأنهار المحيطة بها، ومن ثم ينسحب هذا على كثرة المياه الجوفية، وهذه الحالة تؤدي إلى ضياع أغلب مناطق الحضارة واندثارها في مناطق عميقة من الأرض. على العكس من حضارة وادي النيل التي أقيمت فوق منطقة رملية وهذا ما يساعد على اكتشاف الآثار المصرية بصورة أسرع مع المحافظة على الرُّقم الطينية والتماثيل سليمة.
أما منطقة ما بين النهرين فإنها منطقة رسوبية، وتكلسات التربة تكون أكثر صلابة فيها، وهذا بدوره يؤدي إلى تهشم أكثر الرُّقم الطينية، هذا إن وجدت، وقد تضيع أو لا يظهر لها أثر في أثناء عملية التنقيب. ونحن العراقيين محظوظون جداً لما حصلنا عليه حتى الآن من آثار تعود إلى السومريين والأكديين والبابليين، لأنها أقيمت على أرض من الممكن أن تبتلع كل شيء. وفي الوقت نفسه أنها منطقة زراعية، وكثرة تعاقب الأقوام التالية على تلك الأرض سبب وجيه لاندثار تراثنا مقابل الحضارات الجديدة.