تعافي الاقتصاد

ياسر المتولي
ما السبيل إلى اقتصاد معافى من جميع التشوهات والاختلالات البنيوية في الاقتصاد العراقي؟ الفرضية في النظرية الاقتصادية التي يجمع عليها أغلب الخبراء حول العالم لمعالجة الاختلالات البنيوية تتلخص في تنويع الاقتصاد (مصادر الدخل).
المعضلة المزمنة في الاقتصاد العراقي كونه أحادي الموارد، إذ يعتمد كلياً على ريع الموارد النفطية في تمويل الموازنات العامة للدولة والتركيز على الميزانية التشغيلية. ومن أبرز مخاطر هذه الأحادية إغفال موضوعة (الخداع النفطي) الذي يتأرجح بين صعود أسعار مغرٍ وهبوط مضرّ ومدمر أحياناً.
ومن عيوب الاعتماد الكلي على الموارد النفطية أنه يسهم بتعميق ثقافة السلوك الاستهلاكي المشوّه، ترافقه ثقافة الاسترخاء على طريقة (اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب). غير أن هذا المبدأ تكون انعكاساته خطيرة جداً عند أول انخفاض في أسعار النفط، ومعطيات التأثير تتلخص في حجم السكان ونموهم وتطور احتياجاتهم مع ثبات الموارد. ولعل من المعطيات التي تدفع الخبراء للدعوة إلى عدم الاعتماد على الإيرادات النفطية هي الهواجس من مخاطر التذبذب في الأسعار وانهياراتها، ما يحرج الدولة في عدم إمكانية تلبية متطلبات الحياة الأساسية. على أن تذبذب أسعار النفط هو ليس العامل الوحيد الذي يثير المخاوف، إنما الأحداث والحروب والمتغيرات الدولية، وما ينتج عنها من انقطاع الإمدادات النفطية والسلعية من البضائع والمواد الغذائية، وصعوبة الحصول على المتطلبات الأساسية لديمومة اقتصاد البلد، وهي من العوامل الأساسية المقلقة في الأمن الغذائي.
من جهة أخرى، يبقى تطور التحولات نحو مصادر الطاقة البديلة، التي تسهم بتقليل الاعتماد على النفط وتناقص الطلب عليه، الهاجس والتحدي الأكبر أمام أحادية الاقتصاد. لذلك يُنصح بضرورة تنويع مصادر الاقتصاد لتعافيه من التشوهات التي تسببها الأحادية، والحل يكمن في تفعيل القطاعات الإنتاجية، والتركيز على القطاع الزراعي لتوفير الغذاء، إلى جانب خلق فرص عمل تستوعب البطالة المتصاعدة أفقياً.
مع ما تقدم، يلاحظ أن الحكومة قد اتخذت خطوات أولية مشجعة بتفعيل قطاع الخدمات من جهة، ومحاولات دعم إنشاء المشاريع الصغيرة والمتوسطة من جهة أخرى، لكنها مازالت غير كافية لمعالجة الخلل البنيوي للاقتصاد. ونتأمل أن يشهد العام 2025 تدشين مرحلة جديدة للعديد من المشاريع الإنتاجية الصناعية المدرة للدخل، للإسهام في تنويع مصادر الاقتصاد ومغادرة الاعتماد على الموارد النفطية، لتحقيق اقتصاد معافى يرتقي إلى مستوى إمكانيات العراق وثرواته غير المستغلة، ليستعيد مكانته الاقتصادية بين الأمم، حيث ينظر العالم إلى أن اقتصاد بلادنا يحتل التسلسل العاشر في امتلاك الثروات الطبيعية المتنوعة بين دول العالم الغنية، وهو مصدر أمل للتقدم الاقتصادي الأكبر والاستدامة العالية في التنمية.