ابن قزمان الأندلسي

عبد المنعم الأعسم
لولا حفيد لجان جاك روسو، كان يعيش ويعمل قنصلاً لحكومة فرنسا نحو العام 1800 في مدينة حلب، لطوى المجهول واحداً من أعظم شعراء الزجل العربي في الأندلس، حال المئات ممن أبدعوا وصنعوا واشتهروا، ففقدنا معالمهم ونتاجهم في زحمة الحرائق والإهمال ودورات التنكيل والفيضانات وحروب الطوائف، وسواها من أسباب ضياع المخطوطات والآثار .
وشاءت حياة “روسو” الحفيد أن تُفتح عيناه على القيمة الكبيرة لمخطوطة عثر عليها في “خانات” الشهباء لتعيد المجد لشاعر قرطبة اللامع “أبي بكر بن قزمان”، المتوفى عام 1160م. ومما له مغزى أن تكون هذه المخطوطة شهادة لمبادرة “تدوين” قام بها أحد شيوخ مدينة صفد، مستنداً إلى قصاصات وروايات ومنقولات شفاهية عن شعر ابن قزمان قبل أن تنتقل هذه المخطوطة الوحيدة إلى مدينة حلب، التي كانت حينذاك مركزاً للثقافة في المشرق العربي .
ولعل من النادر أن نعثر على مطالعة عن الزجل الأندلسي دون أن يكون اسم ابن قزمان فاصلة مهمة في السياق، غير أن ثمة ما يستدعي التأمل في الحصيلة حين يلاحظ أن الأوربيين، من المهتمين والمستشرقين، سبقوا “وزادوا على” نظرائهم العرب اهتماماً بهذا الشاعر.. وبين أيدينا مدونات مترجمة عن هذا الاهتمام باسم الألماني روزن، والهولندي دوزي، والإسبانيين سيمونيت وريبيرا، والفرنسي غينتسبورغ، والروسي بيتروف، واليوغسلافي بير فيترافيتش، والفنلندي أويغو تووليو، والتشيكي نيكل، عدا عن المستشرق الروسي الرائد كراتشكوفيسكي، الذي قام برصد رحلة مخطوطة ابن قزمان بين الموسوعات العالمية الشهيرة، وعني بتوثيق مأثرة روسو الحفيد، فزار مدينة حلب في العقد الأول من هذا القرن ليتهجى تلك المأثرة من بين اهتمامات أخرى بالمدونات والمخطوطات العربية، حتى يصل بالشوط إلى المتحف الآسيوي في موسكو، فنقرأ ما يلي: “يوجد مخطوط متواضع بسيط بورق مائلٍ الى الصفرة وغلاف شرقي رديء من الورق المقوى.. إن هذا المخطوط هو الفريد المشهور لديوان ابن قزمان.”
ويرتبط اسم ابن قزمان بجنس شعري شائع هو “الزجل” الذي شاع في القرن الرابع عشر في المغرب العربي والأندلس في نسيج الغناء، وفي اتصال بتجربة الموشح التي تكامل بناؤها في الأندلس عشية ذلك القرن.. وقد سجل ابن خلدون هذا المشهد ومكانة ابن قزمان بقوله: “لما شاع فن التوشيح في أهل الأندلس، وأخذ به الجمهور لسلاسته وتنميق كلامه وترصيع ابتدائه، نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله، ونظموا طريقته بلغتهم الحضرية من غير أن يلتزموا بها إعراباً.. واستحدثوه فأسموه بالزجل، وأول من أبدع هذه الطريقة الزجلية أبو بكر بن قزمان.
ابن قزمان هو أبو بكر محمد بن عيسى بن عبد الملك بن عيسى بن قزمان، وقد لقب بابن قزمان الأصغر تمييزاً له عن عمه محمد بن عبد المطلب “صاحب بطليوس”، واللافت، بحسب الباحث المغربي محمد بوذينة، أنه روي لابن قزمان في بغداد أكثر مما كان يروى له في الأندلس، وقد وجدت في مدونات دار الحكمة هذه الشهادة: “كان ابن قزمان أديباً بارعاً، حلو الكلام، مليح النثر، مبرزاً في نظم الزجل.”