أحمد سعداوي
في الأسابيع الماضية شهدت مواقع التواصل، وتحديداً موقع X، سجالاً ثقافياً عربياً صار واحداً من الأكثر تداولاً (تريند)، وهذا من النوادر وسط (تريندات) القضايا السياسية والاجتماعية والتراشق المعتاد.
السجال كان ذروة لنقاش مستمر منذ سنوات حول قيمة تجربة الروائي السعودي أسامة المسلم، الذي صار أشبه بالظاهرة في عالم التأليف، لأن رواياته حقّقت أعلى المبيعات في المعارض، وتنشر مواقع التواصل، بشكل معتاد، مقاطع من تزاحم الشباب على حفلات توقيع مؤلفاته، بشكل يشبه ما يحدث لنجوم الفنّ.
اندلع السجال بسبب تعليق للناقد السعودي الدكتور سعد البازعي، الذي اعتبر روايات المسلم (أدباً شعبياً)، بينما دافع الناقد المعروف الدكتور عبد الله الغذّامي عن الظاهرة وطالب بإنصافها نقدياً، وعدم التعالي عليها. ورغم أنه نقاش ثقافي، إلا أن البازعي تعرّض لإساءات كثيرة من محبي المسلم.
في الحقيقة، كانت آراء الغذّامي تنطلق من منظور ثقافي عام، ولم يكن كلامه في النقد الأدبي الذي يلتزمه البازعي، وكلاهما محقّ، ومن الصعب التعامل مع الموضوع إلا بمنظور نسبي.
القضية قديمة، وعنوانها العريض؛ تلك المسافة بين الأدب الشعبي والأدب النوعي. أول ظهور لهذا الانقسام كان قبل أربعة قرون، مع سيرفانتس وروايته (الدون كيشوت) الصادرة عام 1605، التي اعتبرت أول رواية حديثة، لأنها تضمنت موقفاً نقدياً ساخراً تجاه الواقع وحكايات الفرسان السائدة.
على الضفّة الأخرى، لا يستهدف الأدب الشعبي (ومنه حكايات الفرسان) سوى المتعة، ومن تطوّراته ولدت الروايات الفنتازية، والرعب، والبوليسية، والمغامرات، وحتى الأدب الجنسي.
وبينما كانت الرواية الحديثة تشقّ طريقها عبر مدارس وتيارات خلال القرون الماضية، كان الأدب الرائج أو الشعبي معنيّاً بتلبية حاجات وتوقعات جمهور من القراء موجود أصلاً.
انتهت الرواية الحديثة (الحداثية) الى مأزق في النصف الأخير من القرن العشرين مع التحديث المستمر والتجريب، بحيث أن جمهورها صار محدوداً، واعترف نقاد وأدباء حول العالم في وقتها أن الرواية في أزمة. الأمر الذي دفع لمنظور جديد (ما بعد حداثي) في الكتابة الأدبية ينشئ تواصلاً بين الأدب الرائج والأدب الحداثي، وغالبية الأدب الناجح والمعروف في عصرها اليوم هو نتاج هذا التزاوج بين النمطين والتيارين.
هل تنتمي روايات أسامة المسلم إلى هذا التيار الجديد، أم إلى التيار الأصلي للرواية الشعبية الرائجة؟ جواب ذلك متروك لمن قرأ له.