نرمين المفتي
على مدى سنوات عملي الصحفي، وثّقت المئات من قصص الشهداء، ودائماً انحنيت إجلالاً لدموع الأمهات والزوجات والشقيقات والبنات والحبيبات، وقطعاً كانت الدمعة التي تخرج من القلب هي دمعة الأمهات اللاتي يرحلن عن الدنيا مع وصية أن تدفن صور الشهداء معهن، وبينهن دمعات أمهات مفقودين، مضين وعيونهن على الباب، قد يدخل المفقود ويغمضن العين مع رؤيته. ولن أنسى حديث الأمهات والنساء الأخريات في حياة الشهداء عنهم، لكنني لا أستطيع ان أسيطر على دمعتي كلما تذكرت جملة قالتها (أم حيدر)، التي اغتالت قوات الاحتلال أبناءها الثلاثة في 2006 أمام عينيها خلال ثوان، ومن ثم عرفوا أنهم أخطأوا العنوان، قالت إنها ليست بحاجة إلى كلمات عزاء إنما إلى مساعدة ألا تفتقدهم..
كل هذه القصص، منذ قصة أول شهيد وثّقتها، كانت أمامي وأنا أتابع مسلسل (العشرين)، صحيح أننا لن ننسى الشهداء، ولكنهم بحاجة إلى توثيق ليعرف جيل بعد آخر شباباً أصبحوا رغماً عنهم شهداء أبطالاً، بدل أن يكونوا أبطال حياة، لتستمر ضحكة الأطفال، ولتثمر الأحلام يوماً، أحلام الشهيد وأحلام الصغار.
بدءاً، تحية كبيرة إلى كادر المسلسل: المخرج والمؤلف والمنتج والمونتير والمصور والماكيير ومهندسي الديكور والإنارة ومصمم الأزياء والموسيقي والمسؤول اللوجستي، وإلى الممثلين، وفي مقدمتهم الموهوب والمبدع (خليل فاصل خليل)، الذي أدى أدواره في هذه الحلقات، وقبلها في مسلسل (العشرة-2023)، إن كانت قصيرة أو طويلة، صامتة أو متحدثة، بإتقان عفوي وتعبير وجه يتكلم ويوصل الرسالة إلى المتلقي تماماً. خليل مشروع نجم، علماً أننا نفتقد صناعة النجوم، وعلى الممثل وحده أن يثبت نفسه.
كان الممثلون كلهم رائعين، لكن آلاء حسين كانت تختلف عنهم، وهي تعطيني إحساساً بأن الكاميرا كانت تتحرك استناداً إلى حركاتها وتعابير وجهها، وليس استناداً إلى توجيهات المخرج. وجعلتني في حيرة، هل أحيي بإجلال دمعة أم الشهيد، زوجته، حبيبته، أخته أو ابنته، أو أحيي براعة آلاء حسين، التي تفوقت على نفسها، ولم تعد أمام المتلقي ممثلة، وإنما كأنها أمام نساء الشهداء الحقيقيات.
أتابع، شخصياً، آلاء حسين، مند أن شاهدتها على المسرح في 2001، واستمرت بتطوير نفسها وقابلياتها، ممثلة مسرح ودراما، وكاتبة ومقدمة برامج، كانت، وما تزال، تنجح فيها بامتياز، قلت لها حين شاهدتها للمرة الأولى إنني أتمنى ألا تخيب ظني فيها، وفعلاً لم تخيبه أبداً.
آلاء حسين نجحت في أن تضعنا أمام نماذج نسائية صنعتها المأساة، وجعلت من الفقدان قوةً، ومن الألم صلابةً، ومن الدموع وقوداً للاستمرار. يستحق الشهداء، وبينهم من كان بعمر الورد وبظلال شوارب، أن نحتفي بهم دائماً، وأن نحذَر الظلاميين والأعداء، لنفسح مجال الحياة للصغار والشباب ليعيشوا سعداء، وأن يتذكروا دائماً من منحهم فرصة الحياة هذه.