د. سعد سلوم
تنمو فكرة التشتت عقب حدث صادم في الوطن الأم، إلى وجهات متفرقة خارج البلاد. يمكن القول إن العناصر القسرية كانت أشد من العناصر الطوعية في دافع الهجرة خلال تاريخ العراق المعاصر. ومع ذلك، عندما نتحدث عن صدمة تصيب مجموعة جماعية، ربما يكون من الممكن عزل فئة من الأحداث تتميز بوحشيتها ونطاقها وشدتها بحيث تجبر، بشكل لا لبس فيه، على الهجرة أو الفرار.
يبدو أن التكبيل بالأغلال، أو الطرد من قبل زعيم مستبد، أو الإكراه على المغادرة بقوة السلاح، أو أعمال الشغب الجماعية، أو التهديد بـ (التطهير العرقي)، ظواهر مختلفة نوعيًا عن الضغوط العامة للاكتظاظ السكاني، أو الجوع في الأراضي، أو الفقر، أو البيئة السياسية غير المتعاطفة بشكل عام.
تحولات عنيفة
خلال جولاتي البحثية والجامعية، في بلدان عديدة، طوال العشرين عامًا الماضية، لاحظت أن (الدياسبورا) العراقية، (الشتات)، تفتقر للتماسك الداخلي. ويمكن تفسير هذه الظاهرة في ضوء السياق التاريخي المعاصر لتشكل جسم الشتات عبر موجات متتالية من اللاجئين والمهاجرين، المختلفة الميول الفكرية والولاءات الاجتماعية والنزعات الآيديولوجية والانتماءات الطبقية، منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى الوقت الحاضر.
تمثل التحولات السياسية العنيفة في التاريخ العراقي المعاصر السبب الجوهري لموجات الهجرة التي شكلت هذا الجسم المتنافر العناصر. ويمكن وضع مخطط تاريخي مبسط لهذه التدفقات من بداية رمزية في ثلاثينات القرن الماضي، مع نفي وإسقاط الجنسية عن الآشوريين بعد مجزرة سميل 1933، من الذين استقر بهم المقام في شيكاغو في الولايات المتحدة، وكونوا أقلية دينامية ذكية. وكذلك الكلدان الذي هاجروا إلى الولايات المتحدة منذ نهاية القرن التاسع عشر، وصولاً الى موجة الهجرة بعد مجزرة الأرمن في تركيا العثمانية 1915، وكذلك عماد الطبقة الوسطى من يهود العراق خلال عامي 1950 – 1951.
هجرة الأقليات
بعد الثورة على النظام الملكي 1958، هاجر ما تبقى من اليهود، وأعداد من المسيحيين وأنصار الملكية إلى البلدان الأوربية، ولاسيما إلى بريطانيا، التي فتحت أبوابها للعديد من الأقليات الدينية وأنصار الملكية -الذين كانوا حلفاءَ لبريطانيا- من أجل الهجرة والإقامة في المملكة المتحدة.
ثم جاءت موجة الهجرة الثالثة عقب الانقلاب البعثي في عام 1963، الذي أطاح بحكومة عبد الكريم قاسم. وكانت غالبية المهاجرين، هذه المرة، تنتمي للطبقة الوسطى. ثم مع الانقلاب البعثي عام 1968، ضمت الموجة الجديدة ضحايا آخرين هذه المرة: كردًا وآشوريين ومعارضي النظام من الطبقة الوسطى أيضًا، مع تزايد شعور طبقات ونخب عديدة بالاضطرار إلى مغادرة البلاد بسبب مناخ القمع العام الذي ساد البلاد، ولاسيما بعد صعود نجم الديكتاتور في السلطة.
وبعد موجة تدفق قادة اليسار السياسي والنخب السياسية الكردية المعارضة، شهدت الثمانينيات موجة جديدة من المهاجرين، إذ أدت الحرب العراقية الإيرانية، التي استمرت من عام 1980 إلى عام 1988، إلى هجرة الناشطين السياسيين من الأحزاب الإسلامية، مثل حزب الدعوة والحزب الشيوعي والأحزاب الكردية. نتيجة لذلك تشكلت موجة من المهاجرين يمثلون مزيجًا مختلطًا من السياسيين المعارضين والمستقلين والتجار والمهنيين، وتغذت الهجرة تاليًا بالمواهب والنخب الجديدة والشابة من الجيل الجديد بين عامي 1990 و1991 في أعقاب الانتفاضات الشيعية والكردية شمال وجنوب العراق.
تأثيرات كارثية
خلال 13 عامًا من عقوبات دولية، بدأت بقرار مجلس الأمن 661، الذي فرض نظام الجزاءات الاقتصادية، مرورًا بالقرار 687، الذي أدخل البلاد في سلسلة من التقييدات الجديدة، أصبحت الهجرة ملاذًا وخيارًا لكل من استطاع إلى ذلك سبيلا. لقد تسببت العقوبات الاقتصادية في تأثيرات كارثية، إذ على الرغم من فرضها من قبل الأمم المتحدة في البداية كرد على الغزو العراقي للكويت، إلا أنها جرى تجديدها عند نهاية الحرب التي شنها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، مستهدفة تدمير البنية التحتية المدنية للبلاد، بما في ذلك مرافق الكهرباء والصرف الصحي، وفاقمت هذه الهجمات الحربية والقصف الجوي المكثف من آثار العقوبات الأولية وجعلت العقوبات اللاحقة، التي جرت إدامتها في قرار مجلس الأمن الدولي 687، أكثر تدميرًا، ما ترك أثره على الطبقة الوسطى ونظام التعليم وقدرات النخب الثقافية والاقتصادية، وشكل ضربة قاصمة لرأس المال البشري العراقي في الداخل.
نخب موهوبة
بعد احتلال العراق في عام 2003 وما تلا ذلك من صراعات وحرب أهلية 2006 – 2007 تغذت (الدياسبورا) بموجات جديدة من الفارين من العنف الطائش والعشوائي، وشملت الهجرة أبرز النخب الموهوبة، وما تبقى من الطبقة الوسطى، ونخب الأقليات الدينية والإثنية، ورجالات الأعمال، ومالكي رؤوس الأموال. وشكلت هذه الموجات (دياسبورا) ممانعة، لها رأي حاسم تجاه التغيرات السياسية بعد الغزو الأميركي وتأسيس نظام ديمقراطي تعددي في البلاد.
ثم مع التهديد الأخير الذي شكله تنظيم داعش الارهابي 2014 وجد عدد متزايد من العراقيين أنفسهم في الشتات. وقد اتبع بعضهم نمط الهجرة التسلسلية نفسه والتحق بعائلته الممتدة في البلدان المضيفة، التي كان من الممكن الهجرة إليها لجمع شمل الأسرة. في حين سلك بعضهم الآخر طريقًا أخطر، وسافروا في رحلات غير شرعية إلى أوربا. وقد وجد الجيل الشاب ما بعد داعش مع موجة الاحتجاجات الواسعة بعد عام 2019 نفسه في مواجهة خيار مماثل. الأمر الذي شكل صدعًا اجتماعيًا خطيرًا بين البيئة السياسية الداخلية ومجتمعات (الدياسبورا) خارج البلاد.
قوة ناعمة
والخلاصة، إنه نتيجةَ موجات الهجرة وخلفيات العراقيين المتنوعة، نجد أن تركيبة (الدياسبورا) العراقية في دول العالم شديدة الاختلاط والتفاوُت، من غالبية مكونات المجتمع من العرب الشيعة والسنّة والكرد السنّة، بينما هناك أقليات أخرى كثيرة تشكل جزءاً من خريطة الشتات، كالآشوريين والكلدان والسريان والصابئة المندائيين والتركمان والكرد الفيليين واليهود الخ. وأنها، نتيجة التحولات السياسية العنيفة، أصبحت (الدياسبورا) تمثيلًا للصدع الاجتماعي، وهي في الحين نفسه، تمثل رأسمالًا بشريًا ينبغي كسبه وتوظيفه لصالح البلاد، كقوة ناعمة.
لذا نقترح بلورة دبلوماسية خلاقة لتوظيف واستثمار (الدياسبورا) العراقية، مع ما تنطوي عليه الأخيرة من قدرات وامكانيات فريدة. إذ تنتشر الجاليات العراقية من مختلف مكونات المجتمع العراقي في العديد من بلدان الشرق الأوسط والعالم العربي، ويتركز قسم كبير من هذه (الدياسبورا) في دول الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة ودول غربية أخرى. وهناك إمكانيات لتوظيف دبلوماسي فعال لقدرات وعناصر قوة هذه (الدياسبورا) في تعزيز حضور ومكانة الدولة العراقية وأولوياتها في مراكز صنع القرار العالمي.
فرصة ثمينة
يمثل حضور مجتمعات (الدياسبورا) العراقية، من الطبقات الاجتماعية والنخب الفكرية والمواهب الاستثنائية، ورجالات الأعمال، ونخب الاقليات الدينية والجماعات الإثنية المختلفة، فرصة ثمينة لتسخير مواهب وخبرات واستثمارات المغتربين، والسعي إلى توسيع نطاقها لتحقيق النمو الاجتماعي والاقتصادي الشامل للبلاد، ولاسيما في ضوء الفجوة بالتمويل المتاح لتحقيق أهداف التنمية المستدامة من جهة، وتحول العلاقة مع هذه (الدياسبورا) إلى فجوة تهدد بتصدع مجتمعي وانفصام سوسيوثقافي بين الداخل والخارج.
أخيرًا، يمكن للدبلوماسية العراقية، من خلال الاستثمار في التنوع المجتمعي الخلاق، ورأس المال البشري التعددي المنتشر خارج البلاد، تحفيز سياسة خارجية عراقية أكثر فاعلية وتأثيرًا في المحيطين الأقليمي والدولي.