أعياد النوروز والمرأة والفطر المبارك في كردستان

ضحى مجيد سعيد

أجواءُ الاحتفال بأعياد الربيع، أو نوروز، أو النيروز، في إقليم كردستان، تحملُ نكهةً خاصة ومميزة، خصوصاً أنها تتزامن مع أعياد المرأة، والأم، والفطر، لهذا يكون لها وقعها المفرح على المرأة الكردية بشكل خاص.
تعكس طقوس نوروز الاحتفالية تنوعاً ثقافياً واجتماعياً فريداً، إذ تجتمع العائلاتُ العراقيةُ للاحتفاءِ بهذه المناسبات في أجواء مليئةٍ بالفرح والتقارب.

في مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان، تتحول الشوارع إلى ساحات مفعمة بالحيوية والنشاط، حيث تخرج العائلات عصراً إلى الحدائق والمتنزهات للاستمتاع بأجواء الربيع الهادئة المعتدلة. هذه الأجواء الرائعة تتيحُ للعائلات قضاء وقت ممتع، حيث يتمتع الجميع بمناظر الطبيعة الخلابة واعتدال الطقس. وفيها تزداد الشوارع والمقاهي والمطاعم ازدحاماً بالعائلات والسائحين الذين يقضون ساعات طويلة في السهر والتواصل، لتمتد أحياناً حتى وقت السحور، كما تشهد الأسواق إقبالاً كبيراً على شراء الزي الكردي والملابس التقليدية، التي تعتبر جزءاً لا يتجزأ من كل مناسبة خاصة أو عامة يحتفل بها الكرد.
تراث وحداثة
باختصار، أجواءُ نوروز في إقليم كردستان، وتحديداً أربيل هذا العام، مزيجٌ رائعٌ بين الروحانية والفرح، بين التراث والحداثة، إذ يجتمع الأهل والأصدقاء للاحتفاء بهذه المناسبات في أجواء مليئة بالحب والتقارب، ما يعكس روح المجتمع الكردي وتقاليده العريقة، التي تبقى حية ومتجددة عبر الأجيال.
عن الأعياد وفعالياتها، تحدث محمد سعد حسين، موظف من بغداد، لـ (الشبكة العراقية)، قائلاً: “الاعتدال في الطقس خلال هذا الشهر يلعبُ دوراً كبيراً في تعزيز هذه الأجواء، حيث يمكن للعائلات والأفراد الخروج للتنزه دون الشعور بالحر الشديد، ما يجعله مناسبة مفرحة، تجمع بين الاستمتاع بالطبيعة عموماً، والأجواء الاجتماعية الدافئة خصوصاً.”
أما هدى سامي علي، ربة بيت تسكن أربيل، فقالت: “هناك طقوس وتقاليد تعكس مدى تمسك المجتمع الكردي بتراثه وهويته، سواء في المناسبات الخاصة أو العامة، مثل نوروز، منها الزي الكردي الذي يعدّ رمزاً لهذه الهوية، فهو حاضر في كل مناسبة، وأيضا المائدة الكردية التي لا تخلو من الأطباق التقليدية العراقية، مثل الدولمة، والكبة، والبرياني، بالإضافة إلى الحلويات المتنوعة التي تعدّها ربات البيوت بكل حب وإتقان، كما نحرص على أداء الطقوس، منها الخروج إلى سفوح الجبال حيث الماء والخضرة والوجه الحسن، بينما يتوجه الشباب إلى المقاهي للاستمتاع بأجواء السهر، وتبادل الحكايات التراثية.”
أزياء كردية
عن حركة السوق ومبيعاته، تحدث محسن علي حسن، بائع ألبسة كردية قي قلعة أربيل: “هنالك إقبال كبير على الأسواق في مناسبات أعياد الربيع ونوروز وعيد الفطر المبارك وعيد المرأة، ويوم الألبسة الكردية، فهذا الزي المميز لا يزال مرغوباً ومُستخدماً من قبل المجتمع الكردي وبعض السيّاح أيضاً، ما يدفع الرجال والنساء لاقتنائه، فعند تجوالك في مدينة أربيل، سواء داخل المدن أو خارجها في الأرياف، ستشاهد الكثير من المواطنين وهم يرتدون الزي الكردي بألوانه المميزة والبراقة، وبالأخص النساء.” عاداً ذلك بأنها طقوسٌ ثابتةٌ اعتادت عليها نساءُ وفتياتُ الكرد بمختلف أعمارهن، ما يؤشر زيادة ملحوظة في الإقبال على شراءِ الملابس الكردية، رغم أنها تُعد بحسبه بمثابة فلكلور وتراث.
تصاميم فريدة
مصمم الأزياء الفلكلورية، ستيف، الذي يبلغ من العمر ٣٥ عاماً، تحدث عن هذه المناسبات قائلاً إن “هذه الملابس لا تعبر عن الحفاظ على التراث فقط، بل إنها تؤكد على اعتزاز المجتمع الكردي بهويته الثقافية، واستمرار هذا التراث الجميل عبر الأجيال.” أما عن الأزياء، فأوضح ستيف أنها تمتاز بتصميماتها الفريدة وألوانها الزاهية، التي تعكس تاريخ وثقافة المجتمع الكردي وهويته بكل تفاصيله، حيث يجري ارتداؤها بفخر في المناسبات المختلفة، سواء كانت دينية، مثل رمضان وعيد الفطر، أو ثقافية مثل نوروز. مبيّناً أن الزي الكردي للنساء له خصوصية، إذ أن تفاصيله الدقيقة، وألوانه الزاهية، مثل الأحمر والأخضر والأزرق، مع التطريزات اليدوية، تُضيف لمسة فنية فريدة على من يرتديه. مضيفاً: “أما الزي الرجالي فيتسم ببساطته وأناقته، إذ يتكون عادةً من السروال الواسع (الشروال)، والسترة (الكردية)، والحزام (البشتينة)، حينها تجد النساء والرجال يبدأون بالحجز لفصال وخياطة ألبستهم قبل ما يقارب الشهر استعداداً لهذه المناسبات.”
في حين قالت نهى محمد سعد، ربة منزل، إن “الحلويات مثل البقلاوة والزلابيا والكليجة، ليست مجرد أطعمة لذيذة، بل هي جزء من طقوس المناسبات الدينية والأعياد، وإن تحضير هذه الأطباق في المنزل يعكس روح العائلة وتماسكها، حيث نجتمع أنا وأخواتي ووالدتي في المطبخ لتحضير هذه الأطباق بكل حب وإتقان، خاصة خلال شهر آذار، لوجود مجموعة من المناسبات.”
تنوع ثقافي
ختام جولتنا، كانت مع سرى أحمد، موظفة في أحد المصارف، تبلغ من العمر 38 عاماً، التي أوضحت أن لأعياد نوروز تحدياتها، خاصة بالنسبة للمرأة التي تتحمل مسؤولية إعداد الأطباق والتسوق، بالإضافة إلى واجباتها اليومية الأخرى. مضيفةً: “هذا الجهد الكبير الذي تبذله المرأة يستحق التقدير والاحترام، إذ إنها تعمل بلا كلل لتوفير أجواء مريحة لعائلتها. ومع ذلك فإن هذه التحديات لا تقلل من جمالية العيد، بل على العكس، فإنها تعكس مدى قوة المرأة وتفانيها في سبيل إسعاد عائلتها.” مشيرةً إلى أن هذه الروح الجميلة تجعل العيد مميزاً، حيث يجتمع الأهل والأصدقاء حول مائدة واحدة، يتشاركون الطعام والفرح، ويخلقون ذكريات جميلة تبقى في القلب طوال العام.
في العراق، لا تعكس هذه الأجواء جمال التنوع الثقافي فقط، بل تؤكد أيضاً على عمق التلاحم الاجتماعي بين مكونات المجتمع. وبينما يودّع الناس نوروز، ويستعدون لاستقبال عيد الفطر المبارك، في دورة احتفالية متجددة، تبقى هذه المناسبات شاهدة على غنى التقاليد وأصالتها في هذه البقعة المميزة من البلاد.