أشهر القلاع الأثرية في الموصل باشطابيا.. رمز الصمود وحصن التاريخ العريق

نينوى/ عامر جليل إبراهيم
تصوير/ حسين طالب
تعد قلعة باشطابيا، الواقعة في الجانب الأيمن من مدينة الموصل على ضفة نهر دجلة، من أبرز المعالم الأثرية التي تجسد تاريخ المدينة العريق، يعود تاريخ تأسيسها إلى القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي)، حين أنشئت في عهد مروان بن محمد الأموي بين عامي 126 و128 هـ .

مجلة “الشبكة العراقية” زارت هذا الموقع الأثري التراثي من خلال جولاتها المستمرة للتعريف بالأماكن الأثرية والتراثية والدينية، بالتزامن مع اختيار بغداد عاصمة السياحة العربية لعام 2025م، والتقت السيد علاء ثامر خليل مسؤول إعلام مفتشية آثار وتراث نينوى، الذي قال:
أطلقت تسمية (باشطابيا) في بداية القرن العشرين في فترة الحكم العثماني، وهي تتكون من مقطعين باللغة التركية، وهما (باش) أي الكبير أو الرئيس، و(طابيا) بمعنى البرج، وبهذا تعني (البرج الكبير)، وهو الجزء الشاخص من القلعة. وسبب تسمية القلعة بهذا الاسم لوقوعها في أعلى نقطة من مدينة الموصل القديمة بارتفاع يبلغ 75 قدمًا عن مستوى سطح البحر من جهة اليابسة، و150 قدمًا من جهة نهر دجلة. وللقلعة تاريخ كبير في صد الهجمات على مدينة الموصل عبر عصور مختلفة، ونشأتها تعود إلى العصر الأموي، وقد ذكرها المؤرخون والرحالة، ومنهم ابن الأثير وابن جبير، ومرت بأدوار عمرانية متعددة، منها توسيعها في العصر الأتابكي، فضلاً عن إعادة ترميمها وإصلاحها من قبل والي الموصل حسين باشا الجليلي، وكانت لها أهمية كبرى في دحر الغزاة، بالإضافة إلى إفشال حملة نادر شاه.
وصف المبنى
يضيف خليل: قلعة باشطابيا من المباني الدفاعية المهمة آنذاك، ليس في الموصل فحسب، إنما في العالم الإسلامي، لما تتميز به من تخطيط وعناصر عمارية مبتكرة، كالمزاغل والممرات الأفقية والعمودية، بالإضافة إلى ممرات سرية توصل إلى النهر مباشرة، وما تبقى منها حالياً هو برجها الأسطواني الشكل، الماثل على نهر دجلة وبارتفاع نحو (16) متراً، ويتكون من جزءين، الجزء الأسفل ينتهي من الأعلى بمزاغل متعددة الاتجاهات، عمودية ومائلة ومزدوجة، وهو الأقدم، ويعلوه الجزء الثاني الذي يصغره بالمساحة، ليترك ممشى للجند المدافعين، ويتميز بفتحاته الواسعة لوضع المدفعية التي استخدمت لاحقاً إبان الحكم العثماني.
يستدرك خليل بالقول: خلال السنوات الأخيرة، تعرضت قلعة الموصل (باشطابيا) إلى أضرار جسيمة بسبب تقادم الزمن وتأثير العوامل الطبيعية على المبنى، كالأمطار، بالإضافة إلى الإهمال وعدم إجراء أعمال صيانة دورية والظروف التي مرت بها البلاد، ما زاد من حجم الأضرار.
تاريخ القلعة
وأثناء جولتنا، التقينا السيدة رنا بشار صالح، منقب آثار ثالث، لتحدثنا قائلة: تعـتبر آثار قلـعة الموصل (باشطابيا) من المواقع الآثارية الأصيلة في مدينة الموصل، إذ إنها أحـد المعالم المهمة التي تجسد شخصية المدينة وتاريخها العريق وتفاعلها مع الحضارات المختلفة، كما أنها نقطة جذب سياحي، وإحدى الوجهات السياحية المهمة في المدينة التي يتوافد عليها الزوار لرؤية هذا المعلم التاريخي والاستمتاع بإطلالته على نهر دجلة. مبينة: أنه على الرغم من التحديات التي تواجهها القلعة، إلا أن هناك أملاً في إعادة إحياء هذا المعلم الأثري المهم، حفاظًا على التراث وتعزيزًا للهوية الثقافية لمدينة الموصل.
تضيف صالح: أن القلعة شهدت، عبر تاريخها الطويل، العديد من الأحداث والتحديات، وتعرّضت للهدم مرات عدة، أبرزها على يد (البساسيري) عام 450 هـ، ثم أُعيد إعمارها في عهد شرف الدولة العقيلي عام 474 هـ (1081 م)، وكذلك هجوم تيمورلنك عام 1393م، إلا أن بناءها أعيد لاحقًا في العهد العثماني، كما أنها لعبت دورًا محوريًا خلال حصار الموصل عام 1743م، إذ نجح الحاكم حسين الجليلي في الدفاع عن المدينة ضد هجوم نادر شاه الفارسي ولم يتمكن من احتلال الموصل رغم حصاره الطويل.
ترميم الخراب
في الختام، تحدث لنا رويد موفق الليلة، مفتش آثار وتراث نينوى، قائلاً: تعرضت القلعة لأضرار بالغة بسبب الإهمال للسنوات 2014ـ 2015ـ 2016 وللأسف دمرت أجزاء كبيرة منها بسبب الانفجارات التي طالت المدينة الأثرية، وبعد تحريرها من براثن تنظيم داعش الإرهابي بُذلت جهود محلية ودولية لإعادة ترميم القلعة والحفاظ على ما تبقى من هيكلها التاريخي، إذ انطلقت المرحلة الثالثة من أعمال إعادة صيانة وتأهيل القلعة في تاريخ 16/2/2025م ضمن مشروع إحياء روح الموصل بهدف إعادتها إلى سابق عهدها كمعلم سياحي وتاريخي بارز، وسيتم تحويلها إلى متنزه تراثي. مضيفاً: أن الموقع في الوقت الحاضر مغلق لحين الانتهاء من صيانته وترميمه وتأهيله، وسيتم فتحه للزائرين ليصبح معلمًا أثريًا وسياحيًا مميزًا كما هو دائمًا، خاصة أنه يمتاز بموقعه الجميل المطل على نهر دجلة.
ويختتم الليلة بالقول: القلعة لم يدمرها داعش، بل دمرها الإهمال والتفجيرات آنذاك، لكن التنظيم الإرهابي دمر وفجّر النمرود وجزءًا من آثار الحضر والمتحف والسور وبوابات نينوى الأثرية.