موطــــن النخيل الذي يبحث عن أســـواق عالمية التمور العراقية.. ذهب يُصدَّر خامًا ويعود بريقًا

9

أحمد جعفر
تصوير / وكالات

على ضفاف الفرات ودجلة، حيث تلامس الشمس جدائل النخيل، يقف العراق شامخًا كأرض احتضنت النخلة منذ الأزل، فكانت رمزًا للعطاء، ومرآةً لحضارته العريقة.
وبالرغم من التراجع في الإنتاج مقارنة بدول أخرى، لا يزال العراق موطن النخيل الأول، يتربع على عرشها بأكثر من 22 مليون نخلة، تتمايل في مزارعه كحراس الزمن، تروي حكايات أجداد حرثوا الأرض، وغرسوا فيها إرثًا لا يذبل.

مع الخطط الطموح لرفع العدد إلى 30 مليون نخلة خلال السنوات القادمة، تبقى التحديات قائمة، والمستقبل مرهون بقدرة العراق على إعادة أمجاده التمرية إلى الأسواق العالمية.
ذهبٌ يتلاشى
حين نتحدث عن التمور، فإن العراق ليس مجرد بلد منتج، بل هو الخزّان الأكبر لأنواع لا تُحصى من هذا الذهب الحلو. فهو يضم نحو 600 صنف، متفوقًا على إيران وليبيا، اللتين تمتلكان 400 صنف لكل منهما، ويظل “البرحي” ملك التمور، يتصدر القوائم بنكهته الفريدة. ومع ذلك، فإن وفرة هذا الكنز الزراعي لم تُترجم بعد إلى حضور اقتصادي يليق بعراق النخيل.
لقد تعرضت بساتين النخيل إلى موجة تجريف كادت تُبيد جزءًا من هذا الإرث، فتقلص الإنتاج، وازدادت الحاجة إلى حلول تضع حدًا لهذه الخسارة المستمرة.
ويرى المختصون أن إيقاف هذا النزيف الزراعي يتطلب عناية خاصة، تبدأ من الحفاظ على البساتين، وتمرّ بتحسين أساليب التعبئة والتغليف، ولا تنتهي عند ستراتيجيات تسويق تجعل التمور العراقية اسمًا يتردد في أسواق العالم.
حين تبيع الأرض كنزها
من المفارقات العجيبة أن العراق، الذي يملك أضخم غابات النخيل، يستورد التمور من دول أخرى، وعلى رأسها السعودية، وكأنه يشتري من الغريب ما أنبتته أرضه. الخبير الاقتصادي مصطفى الفرج يصف هذه المفارقة في تصريح لمجلة “الشبكة العراقية”، قائلًا: “لا يزال العراق يحافظ على مكانته كأحد أبرز الدول في زراعة النخيل وإنتاج التمور، لكن ضعف التسويق المحلي جعل التمور المستوردة تهيمن على الأسواق، بالرغم من أن بلاد الرافدين هي موطن النخيل الأول. فالعراق بحاجة إلى ستراتيجيات ذكية، لا تعتمد فقط على زيادة الإنتاج، بل تركز على فتح أسواق تصديرية جديدة، وتحفيز الاستثمار في الصناعات التحويلية، مثل إنتاج الدبس والكحول الطبي والأعلاف، ما يضيف قيمة اقتصادية كبرى لهذا القطاع الحيوي.”
مزارع نظامية
في حديثه عن التحديات التي تواجه القطاع، يقول مستشار وزارة الزراعة الدكتور مهدي ضمد القيسي لمجلة “الشبكة العراقية” إن “عدم نظامية زراعة بساتين النخيل هو أحد العوامل الرئيسة التي تحد من إنتاجيته.” فمعظم البساتين تفتقر إلى التخطيط السليم، والمسافات بين النخيل غير مدروسة، ما يعيق استخدام التقنيات الحديثة في الخدمة والزراعة.
ويرى القيسي أن الحل يكمن في تحويل البساتين إلى مزارع نظامية، بحيث لا تقل المسافة بين نخلة وأخرى عن 8×8 أمتار، ما يسمح باستخدام الآلات الميكانيكية بدلاً من الاعتماد على الطرق التقليدية، ويرفع الإنتاجية بشكل ملحوظ.
التحدي الآخر، بحسب القيسي، يكمن في الطريقة البدائية التي يتم بها التعامل مع منتجات النخيل. فبدلاً من تصدير التمور العراقية في عبوات أنيقة تناسب أذواق المستهلكين العالميين، لا تزال تُصدر في أكياس غير جذابة، لتعود لاحقًا إلى الأسواق العراقية بعد إعادة تعبئتها في الخارج، وكأن العراق يُهدي الآخرين كنوزه ليبيعوها له بثمن مضاعف.
منافسة محلية
من اللافت أن العراق، الذي يمنع استيراد التمور، بموجب قانون الحجر الزراعي رقم 76 لسنة 2012، يجد أسواقه مملوءة بأنواع مستوردة دخلت بطرق غير رسمية، ما يضعف المنافسة المحلية، ويحرم التمور العراقية من فرصتها في فرض نفسها على المستهلكين.
ووسط هذا التحدي، تواصل وزارة الزراعة جهودها لدعم قطاع النخيل، ومكافحة أمراضه، وتشجيع زراعة البساتين النظامية، لكن هذه الجهود تحتاج إلى تكامل بين الدولة والمستثمرين والمنتجين لإنقاذ القطاع قبل أن يفقد بريقه تمامًا.
قفزة نوعية
بحسب الوكيل الفني لوزارة الزراعة، ميثاق عبد الحسين، يحتل العراق المرتبة الأولى عالميًا بعدد أشجار النخيل، متقدمًا على إيران (21 مليون نخلة)، السعودية (12 مليون نخلة)، الجزائر (9 ملايين نخلة)، ومصر وليبيا (7 ملايين نخلة لكل منهما). لكن من حيث الإنتاج، تراجع إلى المرتبة الرابعة عالميًا، برغم أن السنوات الأخيرة شهدت زيادة ملحوظة، حيث بلغ الإنتاج العراقي في عام 2022 نحو 650 ألف طن، وارتفع في عام 2023 إلى 725 ألف طن، بينما تجاوز 800 ألف طن في عام 2024، مع تصدير أكثر من 700 ألف طن إلى مختلف دول العالم.
وأشار عبد الحسين إلى أن هذه القفزة الإنتاجية جاءت بفضل الجهود الحكومية لدعم الصادرات، لكن العراق لا يزال بحاجة إلى سياسات تسويقية أكثر احترافية، تستثمر تفوقه العددي وجودته النوعية لضمان مركزه بين كبار منتجي التمور عالميًا.
مصير مشترك
النخلة ليست مجرد شجرة في العراق، بل هي روح مغروسة في وجدان أبنائه، ومع كل نخلة تُجرف أو تُهمل، يفقد العراق جزءًا من هويته. إن إنقاذ قطاع التمور لا يتوقف على زراعة المزيد من النخيل، بل يتطلب ثورة في أساليب التسويق والتصنيع، وستراتيجية شاملة تعيد للعراق دوره الرائد في هذه الصناعة.
يقف العراق اليوم أمام خيارين: إما أن يُعيد للتمور العراقية مجدها، ويجعلها تنافس عالميًا، أو أن تبقى كنزًا ضائعًا يُجنى في أرضه، لكنه يلمع في أسواق الآخرين. والوقت لم يعد في مصلحة الانتظار!